ليالي رمضان في طنجة.. بين الحلال والحـ ــرام و مفارقات و إيقاعات متعددة
انشر
ليالي رمضان في طنجة لها وجوه متناقضة، فهي لا تقتصر فقط على العبادة والتردد على المساجد والزوايا وتبادل الزيارات العائلية، بل هي بالنسبة للبعض مناسبة لممارسة سلوكيات بعيدة عن مقاصد الشريعة الإسلامية، وفرصة للسهر وممارسة طقوس احتفالية حول موائد القمار والشيشة والمخدرات بمختلف أنواعها…
وفي الوقت الذي تمتلئ المساجد بالمصلين الباحثين عن السكينة والخشوع، تعرف فضاءات أخرى من المدينة رواجا من نوع مختلف، حيث تنتعش عدد من مقاهي الشيشة وصالونات القمار، بل حتى الفيلات والإقامات الفاخرة، التي تسهر على تدبيرها شبكات ووسطاء يوفرون لزبنائهم أجواء سهر ممتع، لا تخلو من مظاهر الانفلات واللهو.
وفي هذا المشهد المتباين، تبدو بعض ليالي رمضان في طنجة كأنها تعيش إيقاعين متوازيين: روحانية تنبعث من المساجد، وحياة ليلية صاخبة تجعل المدينة أحيانا أقرب في إيقاعها إلى الليالي الطويلة التي تعرفها المدن العالمية المعتادة على السهر حتى الفجر.
وتبدأ طنجة في الكشف عن وجه آخر من ليلها الرمضاني، مباشرة بعد الانتهاء من وجبة الإفطار، حيث تستعيد الشوارع الرئيسة والكورنيش حركتها تدريجيا، ويتجه الشباب نحو مقاه اعتادت أن تجعل من الليل موعدا للسهر الطويل.
هناك، تحت أضواء خافتة وخيوط دخان الشيشة بنكهات التفاح والتوت والنعناع، يجلس رواد هذه الفضاءات في حلقات متقاربة يتبادلون الأحاديث ويقضون وقتهم بين رشفات الشاي والقهوة ودخان النرجيلة، في أجواء تختلط فيها الموسيقى بقهقهات شباب وفتيات بدوا وكأنهم يستعيدون أنفاسهم بعد يوم طويل من الصيام.
غير أن هذه الأجواء لا تقتصر على جلسات السمر العادية، بل مع تقدم ساعات الليل تتحول بعض المقاهي والفضاءات المغلقة إلى أماكن يختلط فيها الترفيه بما هو أبعد من ذلك.
فخلف واجهات تبدو عادية من الخارج، تختلط داخلها طاولات الشاي والقهوة بجلسات القمار وألعاب الورق التي تستقطب هواة “البوكير” و”الرامي”، بينما يتسلل استهلاك بعض الممنوعات إلى هذه الجلسات في أجواء يغلب عليها الدخان والضجيج، في صورة تعكس أحد أكثر الوجوه إثارة للجدل في ليالي رمضان بمدينة البوغاز.
ولا تقف حدود هذه السهرات عند المقاهي والفضاءات المفتوحة فقط، إذ تنتقل إلى أماكن أكثر خصوصية داخل فيلات وإقامات فاخرة تنتشر بعدد من أحياء المدينة.
ففي هذه الفضاءات المغلقة، التي يشرف على تدبيرها وسطاء ووسطيات ينشطون في كواليس الحياة الليلية، تنظم سهرات خاصة تستقطب زبناء يبحثون عن أجواء بعيدة عن أعين الفضوليين، حيث تمتد هناك الجلسات في أجواء لا تخلو من مظاهر الانفلات.
هكذا تمضي ليالي رمضان في طنجة على إيقاع مفارقة لافتة. فبينما تتعالى آيات التلاوة من المساجد التي تغص بالمصلين الباحثين عن لحظات من السكينة والخشوع، تنبض في أماكن أخرى من المدينة حياة ليلية لا تقل صخبا عما تعرفه أشهر المدن الساهرة.
وبين روحانية التراويح وضجيج فضاءات السهر، ترسم مدينة البوغاز مرة أخرى إحدى صورها المركبة خلال هذا الشهر الفضيل، حيث يتجاور نور العبادة مع إغراءات الليل، في مشهد يعكس طبيعة مدينة اعتادت منذ زمن طويل أن تعيش رمضانها بإيقاعات متعددة ووجوه لا تتشابه دائما.