الحرس المدني الإسباني يفكك شبكة لتهريب المهاجرين انطلاقا من السواحل المغربية
انشر
تمكنت عناصر الحرس المدني الإسباني من تفكيك شبكة متخصصة في تهريب المهاجرين بين السواحل المغربية ومدينة سبتة المحتلة، وذلك في إطار عملية أمنية واسعة حملت اسم “السباحة”، كشفت عن أساليب متطورة اعتمدتها الشبكة لتنظيم عمليات العبور غير النظامي عبر البحر، باستعمال غواصين محترفين وقوارب صيد وشبكة لوجستية متكاملة لتسهيل وصول المهاجرين إلى المدينة المحتلة.
وتوجت العملية بإدانة ثمانية متهمين، بعدما اعترفوا بالمنسوب إليهم أمام القضاء الإسباني، حيث صدرت في حق خمسة منهم أحكام بالسجن لمدة 16 شهراً، فيما حكم على الثلاثة الآخرين بثمانية أشهر، بينما دخل ثلاثة فقط السجن بسبب وجود سوابق قضائية لديهم.
وبحسب المعطيات التي كشفتها التحقيقات، فإن العملية جاءت ثمرة تحريات استمرت منذ منتصف سنة 2025، وانطلقت بعد عملية أمنية سابقة عرفت باسم “باركيرا”، والتي استهدفت بدورها شبكات تنشط في مجال تهريب المهاجرين.
وقد قادت التحقيقات إلى الاشتباه في منظمة إجرامية يتوزع أفرادها بين أحياء “الريسينتو” و”برينسيبي” بسبتة المحتلة، حيث تبين أنها حولت تهريب المهاجرين إلى نشاط منظم يعتمد على توزيع دقيق للأدوار داخل الشبكة.
وكشفت التحريات أن الشبكة لم تكن تقتصر على نقل المهاجرين فقط، بل كانت تشتغل وفق هيكل منظم يضم مسؤولين عن التخطيط، ومراقبين لتحركات قوات الأمن، وسائقين لنقل الوافدين، ومتعاونين لتوفير المخابئ، إضافة إلى غواص محترف يلقب بـ”المحرك البشري”، يتولى جر المهاجرين في البحر باستعمال محرك مائي يمنحهم سرعة أكبر أثناء السباحة، وهو الأسلوب الذي اعتبرته السلطات الإسبانية من أخطر وسائل التهريب المستحدثة.
كما اعتمدت الشبكة على قوارب صيد مغربية في بعض عمليات العبور، حيث كان المهاجرون يُنقلون إلى مسافات قريبة من سواحل سبتة قبل إنزالهم في البحر لاستكمال الرحلة سباحة، بينما تتولى عناصر أخرى مراقبة تحركات دوريات الحرس المدني وإبلاغ المهربين بأي تدخل أمني محتمل.
ووثقت التحقيقات الأمنية عشرات المكالمات الهاتفية والمراقبات الميدانية التي كشفت كيفية استقبال المهاجرين فور وصولهم إلى الشاطئ، إذ كانت سيارات تابعة للشبكة تتكفل بنقلهم إلى منازل آمنة داخل المدينة أو إلى محيط مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين (CETI)، في انتظار استكمال باقي الإجراءات.
كما رصد المحققون استخدام دراجات كهربائية ودراجات نارية من طرف أفراد الشبكة لمراقبة تحركات الأجهزة الأمنية وتسهيل عمليات الفرار، في حين أظهرت إحدى المراقبات وصول دراجة مائية إلى منطقة “سارشال”، قبل أن يفر ركابها الثلاثة في اتجاهات مختلفة، وهو ما اعتبر دليلاً إضافياً على التنظيم المحكم الذي كانت تعتمده الشبكة.
ولم تتوقف خدمات الشبكة عند تأمين العبور، بل كانت توفر للمهاجرين تعليمات دقيقة حول ما ينبغي التصريح به عند توقيفهم من طرف السلطات الإسبانية، حيث كان يُطلب منهم الادعاء بأنهم وصلوا سباحة بمفردهم وأن الأشخاص الذين أقلوهم بالسيارات قاموا بذلك بدافع إنساني، إضافة إلى توجيههم لطلب اللجوء فور وصولهم.
وأظهرت التسجيلات التي حصل عليها المحققون أن أسعار عمليات التهريب كانت تختلف بحسب الظروف الأمنية، إذ تراوحت كلفة العبور باستعمال “المحرك البشري” بين 5500 و6500 يورو للشخص الواحد، وتشمل هذه التكلفة تجهيزات الغوص والبدلات الخاصة والمقابل المالي المخصص للغواص، بينما كانت هناك مصاريف إضافية تصل إلى 200 يورو لنقل المهاجرين إلى نقطة الانطلاق.
وفي بعض الحالات كانت التكلفة الإجمالية تصل إلى 8000 يورو، وتشمل مختلف مراحل العملية، من الانطلاق إلى الإيواء والنقل داخل سبتة.
وكشفت التحقيقات كذلك أن الشبكة كانت تعتمد وسطاء ماليين لتسلم الأموال وتحويلها، كما كانت تتولى إيصال الأمتعة والوثائق والهواتف المحمولة إلى المهاجرين بعد وصولهم، فضلاً عن مساعدتهم في ملفات اللجوء والإقامة داخل مركز الإيواء المؤقت.
واعتمد الحرس المدني الإسباني خلال التحقيق على إذن قضائي سمح بالتنصت على المكالمات الهاتفية، وتسجيلها، وتركيب أجهزة لتحديد المواقع في سيارات المشتبه فيهم، وهو ما مكن المحققين من توثيق مختلف مراحل نشاط الشبكة، ورصد عشرات عمليات إدخال المهاجرين بطريقة غير نظامية.
وتأتي هذه العملية في سياق تشديد السلطات الإسبانية حملاتها ضد شبكات تهريب البشر، في ظل الارتفاع الملحوظ في أعداد المهاجرين الوافدين إلى سبتة منذ بداية سنة 2026، حيث تشير بيانات رسمية إلى وصول نحو 2500 مهاجر إلى المدينة خلال الأشهر الأولى من العام، بزيادة كبيرة مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية، الأمر الذي دفع الأجهزة الأمنية إلى تكثيف عملياتها ضد شبكات الهجرة غير النظامية.
ويرى مراقبون أن هذه القضية تعكس التطور المستمر في أساليب شبكات تهريب البشر، التي أصبحت تعتمد وسائل أكثر تنظيماً وتعقيداً لتحقيق أرباح ضخمة من تجارة الهجرة غير النظامية، في وقت تواصل فيه السلطات الإسبانية والمغربية تكثيف الجهود الأمنية لمواجهة هذه الشبكات والحد من المخاطر التي تهدد حياة المهاجرين خلال رحلات العبور البحرية.