طنجة : القضاء المغربي يستعرض حصيلة مكافحة الفـ ـساد ويدعو إلى ترسيخ ثقافة الامتثال

أكد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، اليوم الجمعة بمدينة طنجة، أن المغرب يولي أهمية متزايدة لتعزيز المنظومة القانونية والقضائية لمكافحة الفساد، في ظل التحولات التي يشهدها القانون الجنائي الاقتصادي على المستوى الدولي، وما تفرضه الجرائم العابرة للحدود من تحديات قانونية وقضائية جديدة.

وأوضح، في كلمة ألقاها خلال افتتاح أشغال الندوة الدولية حول “القوانين الوطنية لمكافحة الفساد ذات الامتداد خارج الإقليم”، أن هذه التظاهرة العلمية تشكل مناسبة لتبادل الخبرات والتجارب بين خبراء دوليين وكفاءات وطنية، بما يسهم في تطوير آليات الوقاية ومحاربة الفساد، انسجاما مع التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى ترسيخ النزاهة وتخليق الحياة العامة.

وأشار إلى أن العقود الأخيرة عرفت بروز قوانين وطنية لمكافحة الفساد تمتد آثارها خارج الحدود، وهو ما أحدث تحولا في المفاهيم التقليدية المرتبطة بمبدأ إقليمية القانون الجنائي، وطرح إشكالات دقيقة تتعلق بالتوفيق بين احترام سيادة الدول ومتطلبات التعاون القضائي الدولي، فضلا عن قضايا تنازع الاختصاص، وجمع الأدلة عبر الحدود، وحماية المعطيات الشخصية وضمانات المحاكمة العادلة.

وشدد على أن القضاء يظل الحلقة الأساسية في تنزيل التشريعات وتحويل النصوص القانونية إلى عدالة ناجزة، مبرزا أن السلطة القضائية تضطلع بدور محوري في مكافحة الفساد، سواء من خلال البت في القضايا الجنائية والمالية، أو مراقبة مشروعية أعمال الإدارة والصفقات العمومية، إلى جانب مساهمتها في آليات التعاون القضائي الدولي المتعلقة بجرائم الفساد.

وفي هذا السياق، أبرز أن مؤسسات السلطة القضائية تواصل الاستثمار في التكوين المستمر للقضاة، وتعزيز نشر الاجتهاد القضائي، وتحقيق النجاعة القضائية عبر تبسيط المساطر وضمان البت في القضايا داخل آجال معقولة، مع الحرص على احترام استقلال القضاء وضمانات المحاكمة العادلة.

وكشف الرئيس المنتدب عن عدد من المؤشرات المرتبطة بأداء القضاء في مجال الجرائم المالية، موضحا أن أقسام الجرائم المالية بمحاكم الاستئناف الأربع المختصة أصدرت خلال سنة 2025 ما مجموعه 449 مقررا قضائيا، تضمن غرامات ومصادرات وتعويضات مدنية لفائدة الدولة والمؤسسات المتضررة بقيمة ناهزت مليارات الدراهم.

وأضاف أن المحاكم المختصة في قضايا غسل الأموال أصدرت خلال الفترة نفسها أكثر من 720 مقررا قضائيا في مواجهة ما يزيد عن 1496 متهما، مع غرامات ابتدائية تجاوز مجموعها 200 مليون درهم، وبمتوسط أجل للبت في الملفات لم يتجاوز 110 أيام، معتبرا أن هذه النتائج تعكس تطورا في نجاعة القضاء المغربي وقدرته على استهداف العائدات الإجرامية وتجفيف منابع الجريمة المنظمة.

كما أكد أن القضاء المغربي يتابع باهتمام تطور التشريعات الدولية ذات الصلة، من بينها القانون الأمريكي لمكافحة الممارسات الأجنبية الفاسدة (FCPA)، والتشريعات الفرنسية والبريطانية في المجال، بهدف الاستفادة من التجارب الناجحة دون استنساخها، وإنما من خلال استيعاب فلسفتها وتكييفها مع الخصوصية الوطنية.

ودعا، في هذا الإطار، المقاولات المغربية، خاصة تلك الناشطة في الأسواق الدولية، إلى ترسيخ ثقافة الامتثال الوقائي، عبر اعتماد خرائط للمخاطر ومدونات للسلوك، وتكوين العاملين، وتدقيق الوسطاء، والتحقق من المستفيدين الحقيقيين، وإحداث قنوات آمنة للتبليغ، معتبرا أن الامتثال أصبح ركيزة أساسية لتعزيز التنافسية وحماية السمعة وضمان استدامة النشاط الاقتصادي.

وفي ختام كلمته، جدد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تأكيد انخراط المجلس الكامل في كل المبادرات الرامية إلى ترسيخ دولة الحق والقانون، وتعزيز نزاهة القضاء، وترسيخ ثقة المواطنين في مؤسسات العدالة، معربا عن أمله في أن تخرج الندوة بتوصيات عملية تسهم في تطوير التعاون الدولي وتعزيز فعالية مكافحة الفساد على المستويين الوطني والدولي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.