خصصت الدورة الصيفية لموسم أصيلة الثقافي الدولي السابع والأربعين حيزا هاما لتسليط الضوء على إبراز إبداع التشكيليين الزيلاشيين (أبناء أصيلة)، ولتنظيم ندوة لفهم أثر فن الجداريات على الهوية الثقافية للمدينة الأطلسية.
و خصصت الدورة الصيفية للموسم، المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس بمبادرة من مؤسسة منتدى أصيلة خلال الفترة من 28 يونيو إلى يوم الأحد 5 يوليوز، للفنون التشكيلية، وتشمل مشغل صباغة الجداريات، ومعرض ا تشكيلي ا جماعي ا، وندوة فنية، ومشاغل إبداعية.
في كلمة خلال افتتاح ندوة “جداريات أصيلة : نحو هوية بصرية للمدينة”، أمس الجمعة، قال الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، حاتم البطيوي، إنه “يصعب الحديث عن أصيلة دون استحضار جدارياتها، حيث تجاوزت حدود كونها تجربة تشكيلية في الفضاء العام، لتغدو أحد أهم المكونات الرمزية للمدينة ومشروعها الحضاري”، مضيفا أنها “ليست زينة للجدران فقط ولا تدخلا عابرا في النسيج العمراني، بل هي ممارسة ثقافية تعيد تعريف الفن في المجتمع وعلاقة الفنان بالفضاء العمومي، وتنقل الإبداع من القاعات المغلقة إلى الشارع، لكي يصبح متاحا للجميع، وجزءا من الحياة اليومية واللغة البصرية المشتركة”.
وتابع “لعل ما يميز تجربة أصيلة، أنها لم تجعل المدينة مجرد إطار يحتضن الأعمال الإبداعية، بل كانت موضوعا وشريكا للإبداع، إذ في كل موسم ي كتب فصل آخر في ذاكرة بصرية دامت قرابة نصف قرن، حتى غدت جدران المدينة سجلا مفتوحا لحوار فني بين الأجيال”، منوها بأن “الجداريات صنعت عبر التراكم شخصية بصرية خاصة لأصيلة، حتى باتت المدينة مقترنة بها، وأحدثت للفن العمومي مجالات قائمة بذاتها”.
وبعد أن سجل أن الجداريات مدرسة للتربية على قيم البيئة والمواطنة، اعتبر حاتم البطيوي أن أصيلة “نموذج عربي وإفريقي رائد يؤكد أن الاستثمار في الثقافة قادر على الانعكاس مباشرة على جودة الحياة وعلى صورة المدينة ومكانتها”، مبرزا أننا “لا نحتفي كل عام بجداريات أو موسم جديد، بل نحتفي بفكرة آمنت بأن الثقافة ليست ترفا والفن ليس زينة، بل بناء وصياغة للوعي واستثمار في المدينة وفي المستقبل”.
من جهته، يرى الباحث شرف الدين ماجدولين أن الجداريات كانت جزءا من مشاغل فنية متعدد التعابير والاختيارات، وتشمل فنون الحفر والليتوغرافيا والصباغة والنحت، لكن الجداريات بصمت هذه المدينة وتاريخ الفن في المغرب في ارتباطه بالفضاء العالم، كما بصمت علاقة أجيال متعددة من الفنانين في المغرب وبالمدينة، مشددا على أنه “قد لا نبالغ إذا قلنا أن هذا الخروج من المتحف والرواق إلى المجال العمومي كان يمثل لحظة استثنائية”.
على منصة الندوة، ثلة من المبدعين تعاقبوا للحديث عن تجربتهم الممتدة في السنوات والعطاء مع الجداريات التي صنعت الهوية الفريدة لأصيلة منذ بداية موسمها الثقافي الدولي سنة 1978 على يد الراحل محمد بن عيسى.
بالنسبة لعبد الكريم الوزاني “الجداريات مدرسة لتربية أطفال أصيلة على حب الجمال والعناية به”، بينما يرى الفنان محمد المرابطي أن “أصيلة محج المبدعين، والجدارية فسحة يحاور فيها المشاهد العمل الفني” فيما يقر المخضرم بوعبيد بوزيد بأن الفنانين “يأتون لأصيلة لارتشاف رحيق الجمال”، أما السوري خالد الساعي فلاحظ أن “التراكم الزمني (للجداريات) خلق ذائقة جمالية بديعة ووعيا بصريا ارتقى بالذوق والجمال”.
أما الباحثة شروق المليحي فاعتبرت أن أصيلة اختارت الانخراط بموسمها في ما يمكن تسميته ب “الصناعة الثقافية الثقيلة”، مبرزة أن الجداريات “ليست فقط تجربة فنية، بل هي مشروع ثقافي إنساني منظم، وفعل فني جماعي مؤطر، غير علاقة الانسان بالمكان، وجعل الفن جزءا من الحياة اليومية للناس، وصنع ذاكرة جماعية وهوية ثقافية متكاملة”.
بهذه المناسبة، تم افتتاح معرض جماعي بعنوان “أصيلة في ظل ألوانها”، والذي يضم مجموعة من الأعمال لفنانات وفنانين من مدينة أصيلة، وذلك برواق “محمد بن عيسى للفنون الجميلة” بمركز الحسن الثاني للملتقيات الدولية، والذي يتواصل إلى غاية 31 غشت المقبل.
ويشكل هذا المعرض، الذي يضم لوحات تجريدية وانطباعية لأزيد من 20 فنانا زيلاشيا، مناسبة لرصد أثر موسم أصيلة الثقافي على حساسياتهم الإبداعية، فمجموعة من بينهم اكتشفوا مواهبهم ضمن مشاغل الموسم على مدار دوراته.

