حدائق طنجة… فضاءات خارج الخدمة الإهـ ــمال وانعدام الصيانة وتكاثر المنحـ ــرفين والحيوانات الضـ ــالة
انشر
لم تعد الحدائق العمومية بطنجة، في الآونة الأخيرة، تؤدي الدور الذي أُحدثت من أجله باعتبارها فضاءات للراحة ومتنفسا آمنا للعائلات والأطفال داخل المجال الحضري، بل تحولت إلى مصدر قلق يومي لروادها وسكان الأحياء المجاورة، بعد أن تدهورت بنيتها وتجهيزاتها الأساسية، وطالها الاهمام وانعدام أليات المراقبة والصيانة الدورية، لدرجة فقدت فيه دورها الاجتماعي والبيئي، وتحولت إلى نقاط حضرية غير آمنة بالنسبة للنساء والأطفال، ما دفع المهتمين بالمجال البيئي بالمدينة إلى طرح أسئلة محرجة حول من يتحمل مسؤولية هذا التسيب، هل هي السلطات المحلية؟ أم المجالس المنتخبة المعنية بتسيير الفضاءات العمومية وسهر على صيانتها؟ أم الأجهزة الأمنية والرقابية المعنية بسلامة وأمن المواطنين.
جولات تكشف المستور
في ظل تصعد القلق والاستياء في أوساط الفاعلين والمهتمين بالشأن البيئي بعاصمة البوغاز، قامت “الصباح”، بجولات لعدد من الحدائق العمومية بالمدينة، وعاينت حجم التدهور والإهمال الذي طال أغلبها، ومن بينها حديقة مسجد بدر، المتواجدة بالحي الإداري على بعد خطوات من ولاية الجهة ومقر “ديستي” بالمدينة، إذ لا يحتاج الزائر إلى كثير من التدقيق ليلاحظ مظاهر الإهمال والتسيب التي باتت تطبع المكان. فالممرات والأرصفة شبه مخربة، وقنوات صرف مياه الأمطار عارية، وألعاب الأطفال التي يفترض أن تكون القلب النابض لهذا الفضاء، بعضها مكسرة وبعضها الآخر اختفى بالكامل بعدما تعرضت للتخريب أو السرقة، بينما بات العشب الطبيعي (كازون) والأشجار في وضعية مزرية توحي بأنها غير مدرجة في برنامج القص والتهذيب، ما جعل الحديقة تفقد أهم مقوماتها الأساسية، وتتحول من فضاء للاسترخاء والترفيه إلى مكان خال من أي وظيفة عائلية حقيقية.
فضاء للمدمنين والمتشردين
لا يقتصر تدهور وضعية حديقة مسجد بدر على مظاهر الإهمال العمراني والبيئي فقط، بل يتجاوز ذلك إلى مسألة الإحساس بالأمن، بعد أن تحولت الحديقة، بحسب ما أكده عدد من سكان الحي المجاور، إلى ملاذ لبعض الشباب المدمنين والمتشردين، الذين يتخذون منها مأوى لهم، مستفيدين من ضعف المراقبة وغياب الحراسة، ما جعل عددا من رواد الحديقة يتعرضون للمضايقة أثناء ولوجهم لها، سواء عبر الاستعطاف المتكرر للحصول على المال أو عبر تصرفات عدوانية تصل أحيانا إلى السب والشتم، وهو ما دفع العديد من الأسر، خاصة النساء والأطفال، إلى تفادي ارتياد هذا الفضاء نهائيا.
حديقة تحولت إلى مأوى للحيوانات الضالة
حجم الاختلالات داخل حديقة مسجد بدر لا يقف عند حدود الإهمال وانعدام الصيانة، بل يتجسد في الانتشار اللافت للكلاب الضالة وعشرات القطط، التي استوطنت هذا الفضاء العمومي، مستفيدة من غياب المراقبة وتراكم الأزبال وبقايا الأطعمة، في مشهد يوحي بأن الحديقة تحولت إلى ما يشبه مركزا غير منظم لإيواء الحيوانات. هذا التكاثر السريع لهذه الحيوانات، أثار مخاوف السكان المجاورين، خاصة الأسر التي تخشى على أطفالها من الاحتكاك المباشر مع الحيوانات غير المراقبة بيطريا. وضع زاد من تعقيد أزمة الحديقة، وكشف حجم الفراغ الذي خلفه غياب المراقبة داخل فضاء عمومي يفترض أن يكون متنفسا لسكان الحي وأطفالهم، وهو مؤشر واضح على غياب رؤية حضرية متكاملة في تدبير الفضاءات العمومية، التي صرفت عليها ميزانية هامة لتكون رمزا لجمالية المدينة.
الليل.. الوجه الأخطر للحديقة
تزداد وضعية حديقة مسجد بدر خطورة خلال الفترات الليلية، حين يتحول هذا الفضاء إلى منطقة شبه معزولة عن أي مراقبة فعلية، في ظل ضعف الإضاءة وعدم وجود أي حواجز أو حراسة ليلية. فمع حلول المساء، يلجأ إلى الحديقة عدد من السكارى والمتشردين، مستغلين وضعها المفتوح على مختلف الشوارع المحيطة بها، ما يسهل عليهم مراقبة التحركات الأمنية والتخفي بين الأشجار أو الفرار بسرعة عند أي تدخل محتمل. هذا الوضع جعل المرور عبر الحديقة ليلا محفوفا بالمخاطر، ودفع عددا من المصلين، الذين يفضلون أداء صلاة الفجر بمسجد بدر الشهير، إلى تفادي العبور وسطها، بعد تسجيل حالات من الاعتداءات والمضايقات المتكررة، خاصة النساء وكبار السن، وهي حوادث تعكس حجم الإحساس بالخوف الذي بات يفرضه هذا الفضاء ومحيطه المباشر.
حاويات مهترئة ومجاري تهدد الساكنة
إلى جانب المخاطر السابقة، رصدت “الصباح” حاويات حديدية مهترئة وضعت بالجهة المقابلة لمسجد بدر، ذكر سكان الحي أنها تعود لشركة للنظافة تستغلها مخزنا لمستلزماتها، إلا أنها تحولت بفعل الرطوبة والأمطار إلى نقطة سوداء تتجمع تحتها وبمحيطها أكوام من الأزبال والنفايات، وتتحول إلى مصدر للروائح الكريهة وبيئة ملائمة لتوالد الحشرات والجرذان، التي يتسلل بعضها إلى المنازل والمتاجر المجاورة.
إلى جانب ذلك، تشكل مجاري المياه المفتوحة بين الممرات، وكذا الحفر والتشققات الناتجة عن الأمطار، (تشكل) مصدر خطر دائم على العابرين، خاصة في فترة المساء، حين تتحول إلى مصائد حقيقية تسببت في تعثر وسقوط الأطفال والنساء، في مشهد يعكس غياب الحد الأدنى من الصيانة والتتبع داخل فضاء عمومي يفترض أن يكون آمنا وصحيا.
قلق واستياء متصاعد
أفرز الوضع المتدهور الذي آلت إليه حدائق طنجة حالة استياء عامة في أوساط سكان المدينة وزوارها، بعدما تحولت من فضاءات غير قادرة على تخفيف ضغط العيش داخل المجال الحضري، إلى نقاط توتر يومي انعكست بشكل مباشر على الإقبال عليها، إذ في ظل غياب شروط السلامة والراحة، وتراجع الإحساس بالطمأنينة، باتت أغلب الأسر تتخلى عن ارتيادها، خاصة بعد أن تحولت إلى عبء حضري بدل أن تكون متنفسا بيئيا يخدم ساكنة مدينة تسوق جودة العيش كأحد رهاناتها الكبرى.
في هذا الصدد، قال مصطفى الحوات، وهو أستاذ متقاعد، إن “حديقة مسجد بدر كباقي حدائق طنجة، لم تعد فضاءات إيكولوجية للراحة والاسترخاء كما كانت في السابق، بعدما تخلت عن وظيفتها جراء الإهمال الذي طال عشبها وأشجارها وتجهيزاتها، التي تعرض جزء منها للنهب والسرقة في غياب أي عناية أو مراقبة”. وأضاف “شخصيا توقفت رفقة أحفادي عن ولوج هذا الفضاء، خاصة خلال الفترات المسائية، بعدما فقدنا الإحساس بالأمن والطمأنينة، نتيجة الانتشار المقلق للمنحرفين والمتشردين، الذين أصبحوا يثيرون الخوف في صفوف رواد الحديقة، ويدفعون الكثيرين إلى البحث عن فضاءات بديلة، من قبيل الفضاء المجاور للولاية، تفاديا لأي احتكاك غير مرغوب فيه”.
من جهتها، تأسفت الحاجة الزهرة، وهي أم لثلاثة أطفال، عن الوضعية التي آلت إليها حدائق طنجة، وقالت لـ “الصباح” إن “حديقة مسجد بدر المجاورة لعمرتنا لم تعد مكانا يصلح للعب أو حتى للمرور. فالألعاب التي كانت مخصصة للأطفال تحولت إلى بقايا حديد وخشب مكسر، يشكل خطرا حقيقيا على الصغار، في ظل غياب أي صيانة أو مراقبة. كما أن الحديقة تحولت إلى مأوى للكلاب والقطط الضالة، التي تتجول بحرية دون أي مراقبة، ما يضاعف الإحساس بالخوف ويجعل أي محاولة لترك الأطفال يلعبون مغامرة غير محسوبة. هذا الوضع، تقول الحاجة الزهرة “أجبر الأسر على حرمان أبنائها من فضاء كان من المفترض أن يكون متنفسهم الطبيعي، حيث أصبح سكان الحي يبحثون عن بدائل بعيدة، لأن الحديقة فقدت أبسط شروط السلامة”.
فاعل بيئي: حدائق بدون تصور حضري
من جهة أخرى، يرى فاعل مهتم بالشأن البيئي بطنجة أن وضعية حديقة مسجد بدر ليست معزولة عن باقي الحدائق العمومية بالمدينة، بل تشكل نموذجا دالا على الاختلالات العميقة التي أصبحت تطبع تدبير معظم الفضاءات العمومية بعاصمة البوغاز. وأوضح أن هذه الاختلالات لا ترتبط فقط بالإهمال الظرفي، وإنما تعكس غياب تصور حضري واضح يجعل من الحدائق مكونات أساسية في التخطيط والتنمية، بدل التعامل معها كفضاءات هامشية أو مشاريع تكميلية. مبرزا أن غياب برامج منتظمة للصيانة والمراقبة والحراسة يفتح المجال أمام التخريب والاستعمال غير المنظم، ويفقد الحدائق دورها الاجتماعي والبيئي، في وقت يفترض أن تشكل فيه ركيزة لتحسين جودة العيش وتعزيز الاندماج داخل المدينة.
وشدد الفاعل البيئي، في حديث مع “الصباح”، على أن مسؤولية الحفاظ على الفضاءات العمومية لا تقع على عاتق الجماعات الترابية وحدها، بل هي مسؤولية مشتركة تتقاسمها مختلف الفعاليات، في مقدمتها المجتمع المدني وسكان الأحياء. وأكد أن جمعيات البيئة والتنمية مطالبة بلعب دور أكبر في التحسيس بأهمية هذه الفضاءات، وترسيخ ثقافة احترام الملك العمومي، والمساهمة في مبادرات المواكبة والمراقبة المدنية، معتبرا أن غياب هذا الوعي الجماعي يسرع من وتيرة تدهور الحدائق، مهما توفرت من إمكانيات أو تدخلات ظرفية.
مستشار جماعي: خلل بنيوي في التدبير
كشف عضو بمجلس المدينة، أن الجماعة تخصص سنويا ميزانيات مهمة لتدبير وصيانة المناطق الخضراء، وذكر أنه خلال سنة 2024 تم رصد ما يفوق 75 مليون درهم لهذا القطاع، إلى جانب اعتمادات إضافية قاربت 4 ملايين درهم. غير أنه رغم أهمية هذه الأرقام، يقول العضو، “يظل وضع جل الحدائق العمومية بالمدينة متدهور ودون أثر مملوس على أرض الواقع”.
وانتقد العضو الجماعي، الذي فضل عدم ذكر اسمه، طريقة تدبير هذه الميزانيات، معتبرا أن الإشكال لا يكمن في حجم الاعتمادات المرصودة بقدر ما يرتبط بضعف نجاعة صرفها، وغياب آليات صارمة للتتبع والمراقبة، واحترام دفاتر التحملات. وأضاف أن استمرار مظاهر الإهمال داخل الفضاءات الخضراء يطرح تساؤلات حقيقية حول الحكامة المعتمدة في تدبير هذا القطاع، ومدى ربط المسؤولية بالمحاسبة، خاصة في مدينة مقبلة على تظاهرات عالمية كبرى.
وبين الأرقام المعلنة والواقع الميداني، تظل طنجة، التي يفترض أن تشكل فيها جودة الفضاءات العمومية أحد مؤشرات التنمية الحضرية، تتقاطع داخلها الإكراهات المؤسساتية مع ضعف الصيانة وغياب الرؤية المستدامة، وتتوزع المسؤوليات بين المنتخبين، والمصالح المفوض لها التدبير، والمجتمع المدني، بل وحتى الساكنة نفسها.