بقلم الأستاذة نعمت بالعطار : ليس حب الوطن مجرد كلمات نرددها في المناسبات، ولا شعارات نرفعها في الاحتفالات، بل هو شعور عميق بالانتماء، وقيم نغرسها في نفوس أبنائنا منذ الصغر، وسلوك يومي يعكس احترامهم لوطنهم واعتزازهم بتاريخه وهويته.
وتُعد المدرسة فضاءً أساسياً لترسيخ هذا الحب، فهي لا تقتصر على تقديم المعارف والمهارات، بل تضطلع أيضاً بدور تربوي في بناء شخصية المتعلم، وتنمية حسه الوطني، وتعريفه بتاريخه ورموزه ومحطاته المشرقة. فمن خلال الأنشطة الصفية والحياة المدرسية، يتعلم التلميذ أن المواطنة ليست درساً نظرياً فحسب، بل ممارسة تتجلى في احترام الآخرين، والمحافظة على الممتلكات العامة، والاعتزاز بالهوية الوطنية، والمساهمة الإيجابية في خدمة المجتمع.
وتشكل المناسبات الوطنية، مثل عيد الاستقلال، وذكرى المسيرة الخضراء، وعيد العرش، وعيد الوحدة، وغيرها من المحطات التاريخية، فرصاً تربوية ثمينة لتحويل المعرفة إلى تجربة حية. فعندما يشارك التلميذ في عرض تربوي، أو مسرحية، أو أنشودة وطنية، أو ورشة فنية، أو عمل جماعي، فإنه لا يتلقى المعلومة فقط، بل يعيش معناها، ويتفاعل مع رموزها وقيمها، ويكتشف دوره في الحفاظ على ذاكرة وطنه.
كما أن تنويع الأنشطة خلال هذه المناسبات يمنح التلاميذ فرصة للتعبير عن حبهم للوطن بطرق مختلفة؛ فالمسرح يتيح لهم تجسيد المواقف التاريخية والقيم الوطنية، والأناشيد تعزز الاعتزاز بالانتماء، والأعمال اليدوية والفنية تفتح المجال للإبداع والتعاون، بينما تساعد العروض التربوية والنقاشات على فهم دلالات الأحداث الوطنية واستيعاب أبعادها.
إن الهدف الأسمى من الاحتفال بالمناسبات الوطنية ليس فقط تعريف المتعلم بما وقع في الماضي، وإنما مساعدته على فهم الحاضر، واستشراف المستقبل، والإيمان بأنه جزء من بناء وطنه. فالتلميذ الذي يتعلم معنى المسؤولية والانتماء اليوم، هو المواطن الذي سيحمل غداً مشعل البناء والعطاء.
إننا، باعتبارنا فاعلين تربويين، مدعوون إلى جعل المدرسة فضاءً تنبض فيه الروح الوطنية، وتُمارس فيه المواطنة من خلال التعلم والإبداع والتعاون. فحب الوطن لا يُفرض على الأجيال، بل يُغرس بالحوار، ويُنمّى بالتجربة، ويترسخ بالقدوة والممارسة.
فلنجعل من كل مناسبة وطنية درساً في المواطنة، ومن كل نشاط مدرسي فرصةً لتعزيز الانتماء، ومن كل تلميذ مشروع مواطن يعتز بوطنه ويساهم في بناء مستقبله.

