123aaaaaqq123

الحي الجديد بالعرائش.. بين وعود التأهيل الحضري وانتظارات الساكنة المؤجلة

توفيق اجانا.: في الحي الجديد، الشطر الثاني، المعروف لدى ساكنة العرائش باسم «جنان المساري»، لا تبدو حكاية الأزقة المتعبة مجرد مسألة تتعلق بتهيئة الطرقات وتحسين المشهد العمراني، بل تعكس انتظارات اجتماعية طال أمدها، وأسئلة مشروعة حول مآل الوعود المعلنة ومدى تقدم مشاريع التأهيل الحضري التي يفترض أن تجعل الأحياء السكنية أكثر ملاءمة لحياة المواطنين.

ففي هذا الحي، الذي تقول الساكنة إن أزقته ما تزال تعاني من وضعية متردية منذ سنوات، تتجدد المطالب بالتدخل لإعادة الاعتبار للمجال العمراني وتحسين ظروف التنقل والحركة داخله.

ووفق المعطيات التي تتداولها الساكنة، فقد سبق توجيه شكايات في الموضوع إلى رئيس جماعة العرائش، كما عقد ممثلون عنها لقاء مع رئيس الجماعة والمسؤول المفوض له في قطاع الأشغال، جرى خلاله الحديث عن معالجة الوضعية، مع تسجيل وعود خلال سنتي 2025 و2026.

غير أن استمرار الوضع، بحسب إفادات السكان، أعاد إلى الواجهة سؤال الالتزام بهذه الوعود والآجال التي يمكن أن تتحول فيها إلى تدخلات ملموسة على أرض الواقع.

ولا تتوقف مطالب الساكنة عند حدود الشكايات واللقاءات، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن موضوع تهيئة الحي سبق أن أثير خلال عدد من دورات المجلس الجماعي، بما يجعل الملف جزءا من النقاش العمومي حول أولويات التدبير المحلي وتوزيع التدخلات بين مختلف أحياء المدينة.

وفي هذا السياق، يطرح سكان الحي تساؤلات بشأن معايير برمجة الأشغال وترتيب الأولويات، ومدى مراعاة الحاجيات الفعلية للأحياء التي تعاني من اختلالات في بنيتها التحتية.

وتزداد أهمية هذه التساؤلات بالنظر إلى أن استكمال تهيئة الطرقات بالحي الجديد، الشطر الثاني، المعروف بجنان المساري، ورد ضمن العمليات المبرمجة في اتفاقية للشراكة والتمويل في إطار سياسة المدينة، تتعلق بالتأهيل الحضري للجماعة الترابية للعرائش خلال الفترة الممتدة من 2026 إلى 2027.

وهي اتفاقية تجمع عددا من الشركاء المؤسساتيين، من بينهم القطاعات الحكومية المعنية بإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان والمالية، وعمالة إقليم العرائش، وجماعة العرائش، والوكالة الحضرية للعرائش وزان، والمديرية الإقليمية المعنية بالإسكان وسياسة المدينة، وفق المعطيات الواردة بشأن الوثيقة.

وتندرج هذه الاتفاقية ضمن تصور يروم تحديث المشهد العمراني والحد من الاختلالات المجالية الناتجة عن توسع المدينة وضعف بعض البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية.

وقد حددت كلفة البرنامج الإجمالية في 38 مليونا و30 ألف درهم، مع برمجة مجموعة من العمليات، تشمل تهيئة الطرقات بحي الباركي، واستكمال تهيئة الطرقات بالحي الجديد، وتهيئة شارع عقبة بن نافع، وشارع المحطة الطرقية، وشارع القوات المسلحة الملكية، إلى جانب تهيئة حديقة العوينة.

وإذا كانت هذه المعطيات تعكس وجود إطار مؤسساتي وبرمجة معلنة لتأهيل عدد من المحاور الحضرية بالعرائش، فإنها تفتح، في المقابل، باب التساؤل حول وضعية الأشغال المرتبطة بكل عملية، ومراحل تنفيذها، والآجال المحددة لها، والجهة المكلفة بتتبعها ميدانيا.

فإدراج مشروع ضمن اتفاقية تمويل لا يعني بالضرورة أن الأشغال قد اكتملت أو أن آثارها أصبحت ملموسة، كما أن المصادقة على نقطة مرتبطة بالبرنامج داخل المجلس الجماعي، بحسب ما تفيد به المعطيات المقدمة، تظل خطوة مؤسساتية ينبغي أن تتبعها متابعة دقيقة لمراحل الإنجاز.

وفي ما يتعلق بجنان المساري، تتحدث الساكنة عن تدخلات سابقة شملت بعض الأزقة، جرى خلالها الحفر باستعمال آليات الأشغال، قبل أن تتوقف التدخلات، وفق روايتها، من دون استكمال التهيئة المطلوبة، وهو ما خلف وضعية تثير استياء السكان وتزيد من صعوبة استعمال بعض المسالك.

وتبقى معرفة طبيعة هذه الأشغال، وأسباب توقفها، ومدى ارتباطها بالبرنامج الجديد، من بين النقاط التي تستدعي توضيحا من المصالح الجماعية والجهات المشرفة على المشروع.

وفي انتظار هذا التوضيح، يظل من المهم التمييز بين وجود اختلالات يشتكي منها المواطنون وبين تحديد المسؤوليات الإدارية أو التقنية عنها، وهي مسألة لا يمكن الحسم فيها دون الاطلاع على الوثائق المرتبطة بالصفقات، وبرمجة الأشغال، ومحاضر التتبع، والآجال التعاقدية، وما قد يكون طرأ عليها من تعديلات أو إكراهات.

ومن شأن نشر هذه المعطيات أن يساعد على بناء صورة دقيقة عن تقدم المشروع، بعيدا عن الأحكام المسبقة أو تحميل أي جهة مسؤولية لم تثبت بعد.

كما أن الحديث المتداول لدى بعض السكان عن تفاوت في وتيرة التدخل بين الأحياء يقتضي توضيح المعايير المعتمدة في ترتيب الأولويات، خصوصا في ظل ما يطرحونه من تساؤلات بشأن مدى استفادة الأحياء الهامشية من برامج التأهيل الحضري.

ولا يستدعي هذا النقاش توجيه اتهامات أو الجزم بوجود محاباة، بقدر ما يستدعي اعتماد معايير واضحة وشفافة في برمجة المشاريع، بما يضمن توجيه الموارد إلى المجالات الأكثر حاجة، وفق تشخيص موضوعي لحالة البنية التحتية وكثافة الاستعمال وحاجيات الساكنة.

ولا تنحصر انعكاسات تأخر التهيئة، إن تأكد استمرارها خارج الآجال المقررة، في الجانب الجمالي للحي فحسب، بل تمتد إلى جودة الحياة اليومية للسكان، وسهولة الولوج إلى المنازل، وظروف تنقل الراجلين والعربات، فضلا عن الصورة العامة للمدينة أمام الزوار والمستثمرين والمنعشين العقاريين.

فالتأهيل الحضري لا يقاس فقط بحجم الاعتمادات المالية المرصودة أو بعدد المشاريع المعلن عنها، وإنما بمدى انعكاسها الفعلي على حياة المواطنين، وبقدرة التدخلات العمومية على تقليص الفوارق المجالية بين مختلف أحياء المدينة.

إن الرهان المطروح اليوم أمام جماعة العرائش وباقي الشركاء المعنيين لا يتمثل في إطلاق وعود جديدة بقدر ما يرتبط بتقديم توضيحات عملية حول وضعية مشروع جنان المساري، وتحديد ما أنجز منه وما تبقى، والإعلان عن الجدولة الزمنية المتوقعة لاستكمال الأشغال، مع توضيح أسباب أي تأخر محتمل، إن وجد.

كما أن التواصل المنتظم مع الساكنة من شأنه أن يحد من حالة الانتظار والالتباس، ويعزز الثقة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة والإدارية.

وفي انتظار تفاعل الجهات المعنية مع هذه الانشغالات، يبقى جنان المساري نموذجا لحاجة بعض الأحياء إلى الانتقال من مرحلة المطالب والوعود إلى مرحلة الإنجاز الملموس.

فالاتفاقيات المبرمة والبرامج المصادق عليها تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى طرقات مهيأة وأزقة صالحة للاستعمال وفضاءات تحفظ كرامة السكان.

وبين ما هو مبرمج وما ينتظره المواطن، تظل الشفافية في التتبع، ووضوح المسؤوليات، واحترام الآجال، عناصر أساسية حتى لا تبقى مشاريع التأهيل الحضري مجرد أرقام في الوثائق، بل تصبح واقعا يلمسه المواطن في تفاصيل حياته اليومية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.