بقلم: الأستاذة نعمت بالعطار . كم من تلميذ يدخل حصة اللغة الفرنسية وهو يحمل في ذهنه فكرة مسبقة: «أنا لا أفهم الفرنسية»، أو «هذه المادة صعبة»، أو «الفرنسية ليست لي»؟ ومع مرور الوقت، يتحول هذا الاعتقاد إلى حاجز نفسي قد يكون أقوى من صعوبة اللغة نفسها. فيصبح التلميذ متردداً في المشاركة، خائفاً من الخطأ، ومتجنباً الكلام، فيتراجع حماسه وتضعف ثقته بنفسه.
لكن السؤال الحقيقي ليس دائماً: هل يستطيع التلميذ تعلم الفرنسية؟ بل: هل نقدم له الفرنسية بالطريقة التي تجعله يشعر بأنه قادر على تعلمها؟
فاللغة الفرنسية لا تحتاج إلى تلميذ متفوق بقدر ما تحتاج إلى طريقة مبسطة، واضحة، قريبة من عالم المتعلم، وتمنحه فرصة للتجربة دون خوف. عندما نشرح القاعدة بلغة بسيطة، ونربط المفردات بمواقف من الحياة اليومية، ونمنح التلميذ فرصة للتحدث والتفاعل، فإننا لا نعلمه اللغة فقط، بل نبني داخله الإحساس بالقدرة.
وهنا تبرز أهمية الأنشطة التربوية داخل درس اللغة الفرنسية. فالمسرح، ولعب الأدوار، والحوار، والألعاب اللغوية، والأغاني، والقصص، والعمل في مجموعات، والمشاريع الصغيرة، ليست مجرد أنشطة للترفيه أو لكسر رتابة الدرس، وإنما يمكن أن تكون أدوات تعليمية فعالة تجعل اللغة ممارسة حية.
حين يؤدي التلميذ مشهداً قصيراً بالفرنسية، فهو يتعلم النطق والتعبير والحوار دون أن يشعر بأنه يخضع لتمرين تقليدي. وحين يلعب دوراً أو يشارك في لعبة لغوية، فإنه يستعمل الكلمات في سياق طبيعي. وحين يعمل مع زملائه، يتعلم التعاون والإنصات واحترام الآخر، ويتجاوز تدريجياً الخوف من ارتكاب الخطأ.
والخطأ هنا لا ينبغي أن يكون سبباً للعقاب أو الإحراج، بل ينبغي أن يتحول إلى فرصة للتعلم. فالتلميذ الذي يخاف من الخطأ لن يتحدث، والذي لا يتحدث لن يمارس اللغة، والذي لا يمارسها سيظل ينظر إليها باعتبارها مادة صعبة وبعيدة عنه.
ومن هنا تأتي مسؤولية الأستاذ. فدور مدرس اللغة الفرنسية لا يقتصر على تقديم القواعد والمفردات، بل يتجاوز ذلك إلى خلق مناخ يشعر فيه كل تلميذ بأنه قادر على المشاركة والتقدم. الأستاذ الناجح هو الذي يستطيع أن يحول الحصة من فضاء للخوف من الإجابة الخاطئة إلى فضاء للتجربة والاكتشاف والتشجيع.
كما أن للأسرة دوراً أساسياً في هذا المسار. فالمقارنة بين الأبناء، أو وصف أحدهم بأنه «ضعيف في الفرنسية»، قد يزيد من شعوره بالعجز. أما التشجيع، والصبر، والاحتفاء بالتقدم ولو كان بسيطاً، فيمنحانه دافعاً للاستمرار. ليس المطلوب أن يكون التلميذ مثالياً، بل أن يشعر بأن لديه القدرة على التحسن.
أما المدرسة والمنظومة التربوية، فمطالبتها اليوم ليست فقط بتحسين النتائج، وإنما أيضاً بجعل التعلم أكثر إنسانية وفاعلية. فالأنشطة الموازية، والدعم التربوي، والتعلم النشط، والممارسات التي تمنح المتعلم فرصة للتعبير والمشاركة، كلها عناصر يمكن أن تجعل المدرسة أكثر جاذبية، وتعزز ارتباط التلميذ بها، وتساهم بشكل غير مباشر في مواجهة بعض أسباب الهدر المدرسي.
إن جعل الفرنسية محبوبة لا يعني تبسيطها إلى درجة إفراغها من مضمونها، وإنما يعني تبسيط الطريق المؤدي إلى تعلمها. فاللغة تصبح أسهل عندما ننتقل بها من الكتاب إلى الحياة، ومن الحفظ إلى الاستعمال، ومن الخوف من الخطأ إلى الجرأة على المحاولة.
وفي النهاية، قد لا تكون المشكلة في أن بعض التلاميذ «ضعفاء في الفرنسية»، وإنما في أننا لم نمنحهم بعد الطريقة التي تجعلهم يكتشفون أنهم قادرون على تعلمها. فكل تلميذ يستحق فرصة للنجاح، وكل تلميذ يمكن أن يجد طريقه إلى اللغة إذا وجد من يبسّطها له، ويشجعه عليها، ويمنحه فرصة للتعبير والإبداع.
فالفرنسية لا تحتاج إلى تلميذ متفوق… بل إلى طريقة مبسطة تجعل كل تلميذ يؤمن بأنه قادر على تعلمها، ثم يجد فيها شيئاً يحبه.

