بقلم: الأستاذة “نعمت بالعطار ” : مع كل دخول مدرسي، تستقبل المؤسسات التعليمية وجوهاً تحمل أحلاماً مختلفة، وقدرات متفاوتة، ومسارات غير متشابهة. يبدأ بعض التلاميذ عامهم الدراسي بثقة وحماس، بينما يحتاج آخرون إلى يد تمتد إليهم، وإلى فرصة جديدة تذكرهم بأن مكانهم الطبيعي هو المدرسة، وأن لهم فيها مستقبلاً يستحق أن يُبنى.
فالمدرسة ليست مكاناً لتلقين الدروس فقط، بل فضاء للاحتضان والإنصات والمواكبة، ومجالاً يشعر فيه كل متعلم بأنه قادر على التطور، مهما كانت نقطة انطلاقه.
وفي هذا السياق، تكتسب العلاقة الإنسانية داخل المدرسة أهمية بالغة. فكلمة طيبة، وإنصات صادق، وتشجيع في الوقت المناسب، قد تغير مسار تلميذ بأكمله. فالتعثر الدراسي لا يعني غياب القدرة، والسلوك الصعب لا يعني غياب الرغبة في النجاح؛ فقد تختبئ وراءهما طاقات ومواهب لم تجد بعد الطريق المناسب للتعبير عن نفسها.
ومن هنا، تصبح المواكبة التربوية والدعم والإنصات أدوات أساسية لمساعدة المتعلم على تجاوز الصعوبات، بدل اختزاله في نقطة أو خطأ أو تعثر سابق. فكل تلميذ يستحق أن نبحث عن نقطة قوته، وأن نساعده على اكتشافها.
وتشكل الأنشطة الموازية إحدى أهم المساحات التي يمكن أن يجد فيها المتعلم طريقاً آخر نحو النجاح. فالمسرح، والرياضة، والموسيقى، والرسم، والمسابقات والنوادي ليست مجرد أنشطة للترفيه، بل فضاءات لاكتشاف المواهب، وبناء الثقة بالنفس، وتعلم الانضباط، وتعزيز روح التعاون والانتماء.
وقد يكون التلميذ الذي لم يجد نفسه داخل الدرس، هو نفسه الذي يكتشف ذاته فوق خشبة المسرح، أو في الملعب، أو داخل نادٍ ثقافي أو فني. وعندما يعيش لحظة نجاح في مجال يحبه، تتغير نظرته إلى نفسه وإلى مدرسته، ويكتشف أنه قادر على الإنجاز.
وهنا تتجلى القيمة الحقيقية للمدرسة: أن تمنح المتعلم أكثر من فرصة، وأن تفتح أمامه أكثر من باب، وأن تؤمن بأن التعثر مرحلة يمكن تجاوزها، وليس حكماً نهائياً على المستقبل.
إن محاربة الهدر المدرسي لا تبدأ فقط بالحرص على حضور التلميذ، بل تبدأ بجعله يشعر بأن للمدرسة مكاناً له، وأن هناك من يؤمن به، ويصغي إليه، ويواكبه، ويبحث عن الطريقة التي تساعده على النجاح.
لذلك، فإن المدرسة التي نريدها ليست مدرسة تبحث فقط عن أصحاب أعلى النقط، وإنما مدرسة تؤمن بإمكانية إنقاذ كل مسار، وإحياء كل موهبة، ومنح كل تلميذ فرصة جديدة.
ومع بداية موسم دراسي جديد، لنجعل رسالتنا واضحة:
لا تلميذ خارج دائرة الاهتمام،
لا موهبة ينبغي أن تبقى مخفية،
ولا تعثر ينبغي أن يتحول إلى حكم نهائي على مستقبل صاحبه.
فقد لا يتذكر التلميذ بعد سنوات كل ما قيل له داخل القسم، لكنه قد يتذكر جيداً من شجعه، ومن آمن به، ومن منحه فرصة ثانية، ومن جعله يشعر ذات يوم بأنه قادر على النجاح.
وهذا، في النهاية، هو جوهر التربية: أن نبقي أبواب الأمل مفتوحة أمام الجميع، وأن نجعل المدرسة فرصة حقيقية لكل تلميذ كي يتعلم، ويكتشف ذاته، ويؤمن بمستقبله.

