123aaaaaqq123

الفحص أنجرة : موسم “عمارة الزميج” .. مجمع الصالحين من سيدي أحمد بن عجيبة وذريته

يشق شبان يضعون شارات خضراء طريقاً بصعوبة وسط آلاف الزوار لفتح ممر آمن لـ”دخلة الشرفاء” العجيبيين نحو ضريح أحمد بن عجيبة.

في الباحة المحاذية، ترتفع أصوات حناجر المرددين لأذكار الطريقة الشاذلية الدرقاوية، وتتحرك الأجساد في حلقة “حضرة” تشتد إيقاعاتها.

امس الخميس، تدفق ٱلاف الزوار على قرية الزميج (إقليم الفحص أنجرة). غصت المسالك المؤدية للمقام بالسيارات والحافلات الصغيرة التي تفرغ حمولاتها المتتالية، لإحياء دورة 2026 من موسم “عمارة الزميج” الذي يحمل اسم “مجمع الصالحين من سيدي أحمد بن عجيبة وذريته”، تحت إشراف شيخ الطريقة محمد المهدي بن عجيبة.

وقالت اللجنة المنظمة إن هذا الحدث “يشكل موعدا سنويا لمريدي الطريقة ومحبي التصوف والباحثين القادمين من مختلف مناطق المملكة”.

ويهدف القائمون على التظاهرة إلى الإبقاء على الصلة العلمية والوجدانية بالموروث الصوفي لابن عجيبة وذريته، مع الحفاظ على الطابع الروحي عبر منهاج الطريقة وقيم التزكية والدعوة.

في محيط المقام، تتوزع الخيام وتوضع موائد الإطعام الكبيرة (القصاعي). ينهمك متطوعون في توزيع الكسكس واللحم على مجموعات الوافدين المتعاقبة، في عملية لوجستية يشرف عليها ميدانيا نوفل بن عجيبة، بصفته الوصي على الزوايا والأضرحة والأملاك والمكلف بترتيبات الموسم.

هذا المشهد التنظيمي المتكامل يجسد استمرارية لحياة يومية وثقها صاحب الضريح نفسه قبل أكثر من قرنين.

ففي سيرته الذاتية “فهرسة ابن عجيبة”، يقول عن داريه وزاويتيه: “ومع كل دار زاوية معمورة بالفقراء ويخرج إليها الطعام في الصباح والغداء والعشاء، وفي كل زاوية فقيه ومؤذن مرتبان”.

ويعتبر ابن عجيبة، الذي تلقى علومه في تطوان وفاس وتوفي سنة 1224 للهجرة (نحو 1809 ميلادية)، من أبرز أعلام التصوف الشاذلي الدرقاوي في شمال المغرب، وصاحب مؤلفات في التفسير والحديث.

وتورد مصادر تاريخية، بينها “تاريخ تطوان” لمحمد داود، أنه توفي بمنطقة غمارة ودفن هناك أولاً، قبل أن ينقل مريدوه جثمانه إلى هضبة الزميج، الواقعة على بعد نحو 15 كيلومتراً من مضيق جبل طارق.

وعن استمرار هذه المكانة، تقول الرابطة المحمدية للعلماء في ترجمتها للشيخ إن “ضريحه بها مقصوداً إلى اليوم”. وهو حضور يحظى باعتراف رسمي، حيث وثقت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية تقديم هبة ملكية للقائمين على الضريح بالزميج سنة 2012.

وبحسب رواية محلية متداولة في القرية، يمتد تاريخ الموسم لأكثر من قرنين. ولا يقتصر الحدث على تجمع محلي؛ ففي دورة 2022، وبعد توقف لعامين بسبب جائحة كوفيد، سجلت التظاهرة توافد أكثر من 30 ألف زائر، وفق تغطية لصحيفة “بريس تطوان”، قدموا من مناطق مغربية، ومن دول الإقامة كفرنسا وبلجيكا وإسبانيا.

داخل أسوار المقام المصبوغ بالأبيض والأخضر، يقف الزوار في صفوف متراصة لقراءة الفاتحة. وتتشابك أيدي المريدين في ساحة الحضرة، وتغوص الأجساد في حركة منتظمة.

يعكس هذا الطقس الحركي الغاية التي حددها ابن عجيبة نفسه للتصوف، والمتمثلة في “تصفية البواطن من الرذائل، وتحليتها بأنواع الفضائل”.

مع اقتراب الغروب، يعرض باعة متجولون مسابح وقنينات عطر زيتي على طاولات خشبية في الساحات الجانبية. تضيء مصابيح المقام تباعا، وتغادر أولى سيارات الزوار الممر الترابي للقرية، بينما تستمر أصوات إيقاعات الحضرة المنبعثة من الداخل دون توقف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.