طنجة بين يقظة الوالي وعجز الجماعة.. من المسؤول عن إغراق المدينة في النفايات؟

محمد اليطفتي : في الوقت الذي تعيش فيه مدينة طنجة على وقع دينامية تنموية متواصلة، وتتشرف بالزيارة الملكية السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بما تحمله من دلالات العناية المولوية الخاصة بعاصمة البوغاز، يطفو إلى السطح ملف يؤرق الساكنة ويسيء إلى صورة المدينة، ويتعلق الأمر بقطاع النظافة الذي تحول إلى عنوان بارز للاختلالات التدبيرية داخل جماعة طنجة.
لقد عبرت ساكنة المدينة مراراً عن استيائها من المشاهد اليومية لتراكم النفايات وانتشار الأزبال بعدد من الأحياء والشوارع، في وضع لا ينسجم لا مع المكانة الاقتصادية والسياحية لطنجة، ولا مع الاعتمادات المالية الضخمة المرصودة لهذا القطاع، والتي تتجاوز 380 مليون درهم سنوياً.
وإذا كانت وزارة الداخلية قد تحركت لمساءلة جماعة طنجة حول مآل هذا القطاع الحيوي، فإن ذلك يؤكد أن الأزمة لم تعد مجرد انطباعات أو شكاوى معزولة، بل أصبحت واقعاً موثقاً فرض نفسه على الجهات الوصية، خاصة في ظل استمرار تراجع جودة الخدمات وعجز الشركات المفوض لها التدبير عن الوفاء بالتزاماتها التعاقدية.
وفي مقابل هذا الوضع المقلق، لا يمكن إلا التنويه بالمجهودات المتواصلة التي يبذلها السيد والي جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، الذي ظل خلال السنوات الأخيرة حريصاً على تتبع مختلف الملفات المرتبطة بجمالية المدينة وجودة فضائها الحضري، ولم يتردد في أكثر من مناسبة في تنبيه المسؤولين الجماعيين إلى الاختلالات المسجلة بقطاع النظافة، والدعوة إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لتصحيح الوضع.
غير أن المؤسف هو أن هذه التنبيهات المتكررة لا تجد دائماً آذاناً صاغية داخل الجماعة، التي تبدو عاجزة عن فرض احترام دفاتر التحملات ومراقبة تنفيذ الالتزامات التي وقعتها الشركات المكلفة بالتدبير المفوض. فكيف يمكن تفسير استمرار تراكم النفايات في مدينة تخصص مئات الملايين من الدراهم سنوياً لهذا القطاع؟ وكيف يمكن تبرير غياب العديد من التجهيزات والخدمات التي تم تضمينها في العقود ولم تر النور إلى حدود اليوم؟
إن الساكنة من حقها أن تتساءل عن مآل الوعود المتعلقة بالحاويات الذكية، وآليات المراقبة الرقمية، والحاويات تحت الأرضية، وتجديد الأسطول، والدراجات الكهربائية الصديقة للبيئة، والحملات التحسيسية، وغيرها من الالتزامات التي ظلت حبيسة الوثائق والتقارير والاجتماعات.
والأخطر من ذلك أن مسؤولي جماعة طنجة عن النظافة يبدون وكأنهم يعيشون حالة من رد الفعل بدل الفعل، فلا يتحركون إلا بعد تفاقم الأوضاع أو تدخل السلطات الوصية، في حين أن الأصل هو أن يمارسوا دورهم الرقابي بشكل يومي ومستمر، وأن يحرصوا على حماية المال العام وضمان جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
إن طنجة اليوم لا تحتاج إلى مزيد من الاجتماعات بقدر ما تحتاج إلى قرارات حازمة ومحاسبة فعلية للمقصرين. فمدينة بحجم طنجة، وبما تمثله من واجهة اقتصادية للمملكة، لا يمكن أن تظل رهينة أعطاب تدبيرية تتكرر سنة بعد أخرى، بينما تؤكد الدولة، بقيادة جلالة الملك، على ضرورة تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد أثبت السيد الوالي، من خلال حضوره الميداني ومتابعته الدقيقة لمختلف الأوراش، أن الإرادة موجودة والرغبة في الإصلاح قائمة، لكن نجاح أي إصلاح يظل رهيناً بانخراط الجماعة في تحمل مسؤولياتها كاملة، بعيداً عن منطق التبرير والبحث عن الأعذار.
إن سكان طنجة لا يطالبون بالمستحيل، بل يطالبون فقط بمدينة نظيفة تليق بتاريخها ومكانتها، وبجماعة قادرة على ترجمة الميزانيات الضخمة إلى خدمات ملموسة على أرض الواقع. أما استمرار الوضع الحالي، فإنه لا يسيء فقط إلى صورة المدينة، بل يطرح أسئلة حقيقية حول نجاعة التدبير المحلي وحول جدوى كل تلك الملايين التي تصرف سنوياً باسم النظافة، بينما تظل الأزبال شاهداً يومياً على فشل لا يمكن إخفاؤه أو تبريره.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.