أطاريح جامعية : العمالة المنزلية في المغرب.. السياقات القانونية والأبعاد الإجتماعية -دراســــة مقارنـــة

شهدت رحاب الكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بطنجة، يوم 28 مارس 2026، مناقشة أطروحة جامعية لنيل شهادة الدكتوراه في القانون الخاص، ضمن وحدة التكوين والبحث في “قانون الأسرة المغربي والمقارن”، تقدم بها الطالب الباحث عبد السلام مفرج، حول موضوع:

العمالة المنزلية في المغرب: سياقاتها القانونية وأبعادهاالاجتماعية، -دراســــة مقارنـــة“، تحت الإشراف الأستاذين: الدكتور عبد الخالق أحمدون والدكتورة جميلة العماري.

وقد تكونت اللجنة العلمية لمناقشة هذه الأطروحة، من السادة الأساتذة:

الدكتور إدريس اجويلل        :رئيسا ومقررا

الدكتورة جميلة العماري     :مشرفا

الدكتور نور الدين الفقيهي :عضوا

الدكتور عبد الخالق أحمدون :عضوا

الدكتور عبد السلام فيغو   : عضوا

وبعد انتهاء أشغال المناقشة ثم المداولة، جرى تتويج السيد عبد السلام مفرج بدرجة (دكتور في الحقوق)، ميزة مشرف جدا، مع التوصية بالنشر، والإشادة بشخص الباحث.

وفي ما يلي إضاءات أساسية حول مجمل ما يتعلق بهذا المنجز العلمي الجامعي:

أولا: أهمية الأطروحة:

يكتسي موضوع هذا البحث -بالنظر إلى راهنيته ورهاناته- أهميته بالغة مزدوجة: عامة وخاصة.

أهميته العامة تكمن أساسا في ما ينطوي عليه من أبعاد اجتماعية واقتصادية متقاطعة، لا يخطؤها حدس الدارس الناقد لمضامينه النظرية والإشكالية، بمشتركها الجوهري وتمدداها الفرعية على حد سواء.

فهو من الناحية الاجتماعية يتقاسم مع غيره إثارة الانتباه لدى النخبة والعموم، إلى مكانة قطاع الشغل والتشغيل المنزليين داخل النسيج المجتمعي الذي يحتضنهما، مع إنصاف الدور المحسوس لفئة من العمال تساعد في ضمان الراحة والاستقرار لحياة أغلب الأسر التي اضطرتها ظروف الاستعانة بهم، ناهيك عن حاجة هذه الفئة ذاتها -في المقابل- إلى الاعتراف التنظيمي والحقوقي بهذا الصنف من الشغل، على مستوى ممارسته وعلاقاته كما هي قائمة في الواقع.

وهو أيضا -من الناحية الاقتصادية- يتمم تسليط الضوء على ما يمثله اليوم العمل المأجور في منازل الغير، كفرص تشغيل بسيطة لا تتطلب عادة تكوينا ولا مؤهلات، أو كمورد رزق لا بأس به لتوفير دخل مادي قار، قد يصبح أحد أسباب محاربة الفقر والهشاشة وكذا التقليل من حدة البطالة، مع رفع القدرة الشرائية لمن ينخرط فيه، ما يؤدي نسبيا إلى زيادة الاستهلاك الذي يحفز بدوره زيادة الإنتاج، وبالتالي يساهم -بطريقة غير مباشرة- في تحريك عجلة الاقتصاد الوطني.

أما الأهمية الخاصة لهذا البحث -وهي قطب رحاه وعلة مرماه- فيستقيها من ظرفية التعبئة الوطنية الجارية طيلة العقدين الماضيين، في ركاب الاهتمام والمواكبة الموجهين نظريا وميدانيا، صوب العنصر البشري المغربي في وضعية صعبة، ونقصد هنا شريحة اليد العاملة المنزلية على وجه الخصوص، والتي ما انفكت تستشرف آفاق الحماية الاجتماعية الموعودة لها بعد طول انتظار، وذلك في سياق انتقالي مطبوع بمستجدات أهمها:

التزام المملكة المغربية بمجموعة من المعايير الجديدة لمنظمة العمل الدولية، خاصة المتعلقة بالحقوق الأساسية في العمل، إلى جانب تدابير الحماية الاجتماعية.

انخراطها في مسلسل أهداف التنمية المستدامة المعتمدة من قبل الأمم المتحدة في أفق سنة 2023، لا سيما “الهدف الثامن” الذي يرمي إلى حماية حقوق العمال، وتوفير بيئات عمل آمنة وسليمة للسكان في سن التشغيل.

مصادقتها على أهم المواثيق الدولية المؤطرة لتشغيل الأطفال، وتحديدا منها الاتفاقيتين: رقم 138 بشأن الحد الأدنى لسن الاستخدام، ورقم 182 بشأن حظر أسوأ أشكال عمل الأطفال والقضاء عليها.

من هنا تأتي هذه الدراسة بمثابة لبنة إضافية لسوابقها في المنجز العلمي الجامعي على قلته، كما أنها تساهم -بالتحليل والنقد والمقارنة- في مجرى النقاش الداخلي المتعدد والمفتوح، منذ سنوات خلت، في قنواته الرسمية والعمومية، حول ظاهرة العمالة المنزلية، بشقيها القانوني والاجتماعي، وبما لها وما عليها، في واقعنا المغربي، قديما وحديثا.

وبما أن المناسبة شرط، فإن ما يعكسها حاليا هو مبادرة المشرع سنة 2016 إلى إصدار القانون رقم 12-19 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بالعاملات والعمال المنزليين، هادفا من ورائها إقامة إطار تنظيمي وحمائي دائم لهؤلاء، عبر توفير ظروف عمل لائقة بهم، تضمن حقوقهم وتحد من مختلف مظاهر الاستغلال والهشاشة التي خيمت بظلالها طويلا على السواد الأعظم منهم.

 

ثانيا: منهجية البحث:

بحكم طبيعته القانونية والاجتماعية المندمجة، يطرح هذا البحث جملة إشكالات وقضايا، متداخلة ومتوازنة، قاسمها المشترك هو “ظاهرة العمالة المنزلية” بما لها وما عليها، لكن تتجاذبها روافد وامتدادات تزداد اتساعا وتفرعا، كلما أوغل الباحث في جدلية علاقتها بالواقع المتشعب الذي يستوعبها ويؤثر فيها.

وعليه، فإن التطرق إلى مجمل (القضايا/الإشكالية) التي تفرض نفسها في هذا المقام، مركزيا وجزئيا، يقتضي اعتمادا مزدوجا للمنهج الوصفي والمنهج التحليلي، في سياق نقدي ومقارن؛ وهو ما يستدعي المقاربات التالية:

ا- مقاربة تاريخية اجتماعية: تنطلق من المسار التاريخي لهذه الظاهرة الإنسانية منذ نشأتها، إلى أن تبلورت في مشهدها الاجتماعي الجديد، بمعطياته وظروفه وتداعياته، مع الانفتاح على حقول معرفية مكملة تسعف جديا في سبر أغوار هذا المشهد من زواياه الأخرى (علم النفس، علم الاجتماع، علوم التربية…) دون أن نغفل تعزيز ذلك كله بما تيسر جمعه وغربلته من خلاصات دراسات أكاديمية وبحوث إحصائية وتقارير ميدانية.

ب- مقاربة فقهية قضائية: تستعين بطروحات الفقهاء والباحثين ومدى تباين مواقفهم بشأن خصوصية العمل المنزلي ووضعيته التنظيمية والانتقالية، موازاة مع ما اعتمده العمل القضائي بدوره في مواجهة النوازل المعروضة عليه، وذلك إيمانا بما تمثله المعالجة التأصيلية وكذا الحساسية النظرية والاجتهادية لهذا الموضوع بالذات، سواء لدى رجل القانون الدارس أو عند القاضي الممارس.

ج- مقاربة قانونية معمقة: يتم فيها توظيف واسع النطاق لمختلف مقتضيات التشريع الوطني ذات الصلة بجوانب هذا الموضوع المركب، والجاري بها العمل فقهيا وقضائيا، سواء تعلق الأمر بالنصوص العامة (قانون الالتزامات والعقود، المسطرة المدنية، المسطرة الجنائية…)، أو بالنصوص الخاصة (مدونة الشغل، مدونة الأسرة، القانون الجنائي، نظام الضمان الاجتماعي، ظهير حوادث الشغل والأمراض المهنية…)، مع الاستئناس -أحيانا- ببعض النصوص التنظيمية أو التكميلية الأخرى حسب الحاجة إليها، في محاولة لإسقاطها تأويليا على واقع الشغل والشغيلة المنزليين، كما هو ملموس في منظومتنا القانونية الحالية.

وتبعا لنفس النهج، لا مندوحة عن ملامسة هذا الواقع الحي في سياقه الانتقالي المتطور، من خلال قراءة وتحليل ما حمله -نظريا وإجرائيا- القانون الجديد رقم 12-19 بتحديد شروط الشغل والتشغيل المتعلقة بعاملات وعمال المنازل، ومعه مراسيمه التطبيقية اللازمة، وذلك على نحو مركز ومحين أيضا، ضمن صيرورة المشاريع القانونية السابق إعدادها وإعلانها في هذا الباب.

د- مقاربة مقارنة تعددية: لعلها أفضل السبل لتقييم أية دراسة علمية جادة، من حيث قوتها أو ضعفها، وذلك ولكي تكتمل معالم الصورة الإجمالية والموضوعية في تعبيرها عن وضعية قطاع الشغل المنزلي وشغيلته، قانونيا واجتماعيا، حيث لا مفر من خيار المنهج المقارن، وتجربته بصيغة تعددية شاملة مع كل من:

أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية في مجال الرعاية الخاصة لحقوق خدم البيوت.

المواثيق الدولية النافذة في مجال تشغيل الأطفال، وكذا المعايير الجديدة بشأن العمل اللائق للعمال المنزليين.

قوانين العمل واللوائح الوطنية لدى بعض الدول الإفريقية والأورو أمريكية المتعلقة بالعمل والعمال المنزليين.

أنظمة الشغل وتنظيم الاستخدام المنزلي لدى بعض الدول العربية (وضمنها العمالة الأجنبية في منطقة الخليج).

النصوص التشريعية والتنظيمية المؤلفة لمجموعة قانون الشغل المغربي قبل صدور مدونة الشغل (ظهائر – مراسيم- قرارات وزيرية…).

وفي الأخير، نؤكد على القول بأن (المنهجية القانونية / المقارنة) في حد ذاتها -وكما سلف ذكرها- تبقى ذات موقع مفصلي لا يستهان بوزنه كما وكيفا، في أهم فصول ومباحث هذه الدراسة.

ثالثا: الإشكالية المركزية:

تتمحور في صميم ما صاغه عنوان الأطروحة، وهو موضوع “واقع العمالة المنزلية بالمغرب بين سياقاتها القانونية وأبعادها الاجتماعية، دراسة مقارنة.

وعليه، يجب القول أن هذا الأخير يضعنا -بكل مسؤولية- في مواجهة ما يطبع مسار الوضع الحالي والانتقالي لقطاع العمل المنزلي المأجور من جهة، ولشريحة اليد العاملة المنزلية (والتي تحتل فيها الفتيات القاصرات نسبة بالغة) في المشهد المغربي من جهة أخرى، وذلك من زاوية قانونية واجتماعية دقيقة ومتمازجة، تغطي مجمل الأفكار والمعطيات والفرضيات الواردة تباعا في ثنايا هذا البحث.

هكذا تنبع الإشكالية المطروحة فيه بالأساس، من النظر جيدا إلى هذا الصنف من الشغل بمواصفاته الذاتية وبظروف عمالته المعيشية، كظاهرة (اجتماعية/اقتصادية/ثقافية) ذات بعد قانوني وعمق إنساني على السواء، وهي تستدعي -لهذا الاعتبار الهام- فهمها والإحاطة الشمولية بها أولا، ثم التدخل المتدرج لتنظيمها وتحسين شروطها وحماية أصحابها، وذلك في إطار قواعد خاصة بها؛ تستجيب لمتطلباتها وتحمل حلولا مجدية لما باتت تفرزه من مشكلات واقعية لا حصر لها أثناء الممارسة، تتعلق بساعات العمل، وأداء الأجر، وكيفية قيام العلاقة الشغلية بين طرفيها، وكذا استمرار هذه العلاقة وانتهائها، فضلا عن ضمان الحد الأدنى من الحقوق المهنية والإنسانية خلالها…

وتبعا لذلك، فإن استجلاء حقيقة ما يميز شغيلة المنازل كطائفة معنية بتلك المشكلات في بلدنا؛ قد لا يعبر عن هذه الحقيقة فعلا إلا في سياق مقابلة مقارنة، تنعكس من خلالها وضعية قطاع الشغل المنزلي وكذا النظرة الموجهة إلى أشخاصه العاملين، في ضوء التجارب الاجتماعية والتشريعات الوطنية لعدد من بلدان العالم، علاوة على المرجعيات الحقوقية الكبرى المتعارف عليها والمحتكم إليها كونيا ومغربيا في الشأن نفسه.

وقد تبلور مؤخرا وبالملموس موقف المشرع المغربي، في تفاعله مع بعض ما يعج به واقع الشغل والشغيلة المنزليين، عبر إرساء أولى لبنات الحماية الاجتماعية المرتقبة لعاملات وعمال المنازل في ظل القانون رقم (12-19)؛ لكنه اليوم وإزاء ما ينتظره من تحديات، يلقي علينا جميعا وبقوة سؤال قابليته للتطبيق على أحسن وجه ممكن.

من صلب هذه الإشكالية المحورية والمركبة، نستشف صيغة التساؤل العريض لها، وهو:

كيف يمكن تشخيص وتغيير الواقع الاجتماعي والقانوني المندمج لقطاع العمل المنزلي بالمغرب، في ضوء امتداداته المقارنة، وتقاطعها مع التدخلات الدولية والوطنية الجارية لتنظيمه وكذا حماية شغيلته، راهنا ومستقبلا؟

وفي طياته، تطفو مجموعة من الإشكالات الجزئية التي تتفرع عن الأصل، وتستمد مشروعيتها من طرح الأسئلة الآتية:

كيف تعبر ظاهرة العمالة المنزلية عن نفسها وتعدد أبعادها في الوسط الاجتماعي الذي يحتضنها؟

كيف يتمظهر نشاط الشغل والتشغيل المنزليين من خلال خلفياته وظروفه وآثاره في مرآة الواقع المغربي؟

ما هي الخصائص المعيارية التي تميز بدقة مفهوم الشغل والشغيلة في المجال المنزلي؟

ما هو التكييف الذي يلائم العلاقة المتبادلة بين طرفي العمل المنزلي التابع والمأجور، عند إبرامها وأثناء سريانها؟

ما هي حدود وطبيعة المسؤولية القانونية التي تتصل بهذا النوع الخاص من الشغل والأطراف المعنية به؟

ما هي المبررات التقليدية التي استند إليها الفقه والمشرع معا لاستبعاد اليد العاملة المنزلية من أية تغطية قانونية؟

أين تجلت مظاهر الإهمال التشريعي والتنظيمي لهذه الشريحة الاجتماعية، قبل بوادر التغيير في الموقف المغربي؟

كيف تعامل القضاء المغربي بدوره مع مختلف النزاعات المتعلقة بالشغل المنزلي ووضعية الأشخاص المزاولين له؟

ما هي أهم الروافد المرجعية التي تؤسس للالتزامات الوطنية والعالمية في شأن:

ا- عمالة الأطفال وحماية حقوقهم الأساسية؟

ب- معايير العمل اللائق للعمال المنزليين؟

ج- تصنيف الشغل المنزلي من المنظور الدولي؟

كيف انعكست وضعية العمالة المنزلية تنظيميا وحمائيا في التجارب الداخلية وتشريعات العمل المقارنة لعدد من بلدان المعمور؟

ما هي ملامح المقاربات التنظيمية الخاصة بعلاقات وممتهني العمل المنزلي في التوجه التشريعي لبعض الدول العربية تحديدا؟

كيف تطورات إشكالية (العمل المنزلي/عاملات وعمال المنازل) في سياقها القانوني الانتقالي ببلدنا، نحو الاعتراف الرسمي بقطاعهم وإعلان الحماية لحقوقهم؟

إلى أي حد يستجيب نظام الحماية الاجتماعية في إطار القانون الجديد رقم (12-19) وملحقاته، لأوضاع وانتظارات الشريحة العمالية المستهدفة منه؟

ما مدى قابلية التنزيل المفترض لمكتسبات وأهداف هذا القانون على أرض الواقع الأسري والاجتماعي المغربي في ظل الآفاق والرهانات الممكنة؟

هذه جملة (تساؤلات/إشكالية) حاول صاحب الأطروحة الإجابة عنها موضوعيا والتصدي لها منهجيا، على امتداد ما يقارب 900 صفحة، وذلك من خلال قسمين كبيرين:

الأول: خصص لتأصيل وتحليل الأبعاد الكبرى لظاهرة التشغيل المنزلي، كإشكالية  

       اجتماعية وقانونية في الواقع المغربي.

الثاني: سلط أضواء النقد والمقارنة على آفاق تنظيم قطاع الشغل المنزلي عبر العالم،

      مع رصد التدخلات الجارية لحماية شغيلته بالمغرب.

رابعا: خلاصات واستنتاجات:

وفي نهاية مطاف هذه الدراسة المزدوجة والمقارنة، استجلى الباحث بعمق وإسهاب،مجمل ملامح وأبعاد الوضعية الاجتماعية والقانونية، التي ما فتئت تطبع واقع الحال ومؤشرات الانتقال، بالنسبة لقطاع الشغل المنزلي ولشريحة اليد العاملة المنخرطة فيه، على نحو مندمج، ارتباطا بالسياق الوطني المغربي الذي يحتضن الإثنين معا، ويخيم عليهما بخصوصياته ومتغيراته.

وقد خلص إلى الاعتراف بأن ظاهرة العمالة المنزلية المغربية، بما لها وما عليها، وسواء في إطارها الذاتي أو المقارن، باتت اليوم أحوج ما تكون إلى إعادة طرحها من جديد والتعاطي مع أبعادها النظرية والميدانية، ضمن رؤية مستقبلية متكاملة تتجاوز -بتدرج واقعي حذر- أبرز ما ميز ماضيها وحاضرها؛ وذلك بما يليق بها كإشكالية قانونية واجتماعية، مركبة ومتطورة، تعددت مداخلها ومظاهرها، وتفرعت مشاكلها وتداعياتها، قديما وحديثا، وبالتالي تعثرت إزاءها تجارب الحل الوحيد من خارج بيئتها الأصلية.

وبمعنى آخر، فإن أية مقاربة جاهزة للتشخيص أو التدخل في هذا الاتجاه، لا مناص لها من استحضار خصائص بنيوية بعينها، شكلا وجوهرا، لموضوع حيوي، يتخذ من مثلث (الشغل، المنزل والوسيط البشري بينهما) منطلقا مرجعيا في التحليل والنقد والمقارنة واقتراح البدائل، مع العلم المسبق بأن العلاقة المتفاعلة واقعيا بين عناصره تلك، قد ساهمت في تصنيف القطاع الذي يستقطب أكبر عدد من اليد العاملة الرخيصة، ضمن أقل “الأنشطة المهنية” خضوعا للمواكبة التنظيمية أو المراقبة الخارجية، وهو ما جعل شغيلته من فئة الأطفال والنساء تحديدا، أكثر عرضة للاستغلال المستمر بجميع أشكاله.

وبالنظر إلى مختلف الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التي تداخلت في هذه الوضعية برمتها، يبدو من الجائز هنا القول أن تعدد أبعادها المذكورة آنفا وما تنطوي عليه من تحديات، قد يسمح -آنيا أم آجلا- بتحليلها ومراجعتها في سياق مشترك بين كل من مدونة الشغل ومدونة الأسرة على السواء.

هذا السياق المشترك، وإن بدا مختلفا في التوجهات التي تستقل بها كل مجموعة قانونية منهما، إلا أنه يتقاطع ويتكامل بصورة منسجمة وذات دلالة، عندما يتعلق الأمر بغياب أي تدخل حمائي في ما مضى، كان يفترض أن يستهدف الشغيلة المنزلية من فئة النساء والأطفال على وجه التحديد؛ حيث ظلت هذه الفئة بالذات تمارس عملها طيلة سنوات خلت، بعيدا عن الحماية الاجتماعية التي يوفرها قانون الشغل لمن هم معنيون بتطبيق مقتضياته من جهة، فضلا عن أن الخادمات الصغيرات اعتدن تشغيلهن في ظروف معيشية صعبة، تطبعها العزلة الدائمة أو الطويلة عن محيط الأسرة الأصلية، مع أثرها في الحرمان المبكر من حقوق الرعاية المتكاملة والتنشئة السليمة، ثم مدى مسؤولية الأبوين (أحدهما أو كليهما) في مواجهة هذا الوضع الشاذ من جهة ثانية.

ومع التسليم مبدئيا بأن صلب المشكلة القائمة لا يرتبط فقط بسن القوانين أو تعديلها، بقدر ما يكمن في مواجهة الواقع الذي لا يكاد يرتفع، وتدبير إكراهاته المتراكمة بين الممكن والممتنع؛ فإنه -والحالة هاته- لا مناص من التعاطي بنضج وتدرج مع إشكالية العمالة المنزلية كما باتت تفرض نفسها، تبعا لمعطيات الواقع الجديد الذي بدأ يتشكل في حياتنا الاجتماعية والأسرية، خاصة بعد الشروع في تنزيل ما جاء به القانون رقم 12-19 المحدد لشروط شغل وتشغيل العاملات والعمال المنزليين، وما يتطلبه ذلك من إنجاح الانطلاقة الصحيحة في مسار يوازي على السواء، بين التمكين القانوني والتمكين الاجتماعي لهؤلاء.

ويبقى أن إضفاء الطابع الرسمي على العلاقة الشغلية المنزلية بمظهرها الجديد، من شأنه حتما أن يرتب آثاره الجلية والمستمرة في الواقع المعيش، وذلك على مستوى الحقوق والالتزامات المتبادلة بين كل طرف من هذه العلاقة الثنائية تجاه الطرف الآخر.

لكن الأمر -ومن خلال رؤية متكاملة- إذا كان ينصرف صراحة إلى ضمان حماية الحقوق المهنية والإنسانية للطبقة العاملة في المنازل، بصورة قطعية لا غبار عليها، فإنه -في المقابل- قد يسائل المشرع الاجتماعي المغربي عن موقفه بالأساس من الطرف الآخر في هذه العلاقة التعاقدية المذكورة، خصوصا وأن جل (أصحاب العمل/أرباب البيوت) هم -بطبيعتهم- أفراد غير معتادين تلقائيا وإجرائيا على التعامل مع القوانين واللوائح التنظيمية المعمول بها، مقارنة بغيرهم من أرباب العمل في القطاعات الأخرى.

لعل هذا ما كان يستدعي التفكير أيضا في موقع ومصلحة الطرف المشغل (المنزلي)، عبر صياغة مضامين مرنة ومتوازنة يسهل فهمها وتفعيلها، وفق قواعد وأدوات تتجانس مع العمل المنزلي بظروفه ومتطلباته، مثلما تحول دون حدوث الانتهاكات المحتملة في محيطه.

من هذا المنطلق، يجدر بنا اليوم إبداء بعض التحفظ، نسبيا ومؤقتا، عبر النظر إلى مبادرة القانون رقم 12-19، بوصفه خطوة تدشينية أولى في مسار طويل محفوف بالصعاب والتقلبات. وقد لا يكون من الصواب -ونحن لا نزال في بدايته- أن نحمل هذا القانون أكثر من طاقته الممكنة في النظرية والتطبيق معا، أو أن نرفع عاليا سقف الرهانات والانتظارات بشأن ما حمله من تدابير ومقتضيات، لا تعدو كونها تبقى طفرة انتقالية نوعية في عقلية المتدخلين المعنيين بها أولا قبل غيرهم.

وعليه، سيظل الموقف السليم من هذا الإطار التنظيمي والحمائي الوليد، معلقا بمنطق التدرج الطبيعي الذي يكتنف أية حركية تغيير أو تطور داخل مجتمع أو أسرة، ويحتاج معها إلى وقت ليس بالهين حتى يتيسر فهمها واستيعاب أبعادها، ثم التأقلم لاحقا مع الخطوات التمهيدية لتنزيلها بالملموس في الوسط الذي تستهدفه دون عوائق ومطبات.

خامسا: توصيات ومقترحات:

امتثالا لروح المبدأ المأثور “ما لا يدرك كله لا يترك جله”، عرض الباحث لعدد من التوصيات والمقترحات، النابعة أساسا من صلب هذه الإشكالية، لعل أخذها بالاعتبار -كما هو مأمول- يكون له صداه وأثره في مواكبة المرحلة الانتقالية الجديدة للقطاع المذكور. وهي عموما تشمل مستويات عدة أهمها:

1- على المستوى الحكومي:

إطلاق تعبئة وطنية متجددة، عبر قنوات وأدوات رسمية وعمومية، في مجال التحسيس والتوعية، بشأن مضامين وأبعاد القانون رقم 12-19، توجه إلى كل من يعنيه الأمر، من كافة الشرائح والمشارب الشعبية.

إعادة إحياء وتفعيل أهداف برنامج (إنقاذ) لمحاربة ظاهرة تشغيل الطفلات كخادمات منزليات، وتوسيع النطاق الجغرافي لتدخلاته الميدانية في باقي جهات التراب الوطني.

التصدي لظاهرة الاتجار (بكافة أشكاله) في الخادمات القاصرات، وتجريم شبكات السمسرة النشيطة في هذه العملية، باتخاذ إجراءات زجرية رادعة تعطي مفعولها جذريا وعلى أبعد مدى.

تحفيز التدابير العملية ومضاعفة الجهود المعلنة سابقا، في مجال محاربة ظاهرة التسرب المدرسي بالنسبة للفتيات، اعتبارا لما تمثله من قاسم مشترك بين الأسباب المؤدية إلى التشغيل المنزلي المبكر، والنتائج السيئة المترتبة عنه.

دعم البدائل الاقتصادية المدرة للدخل، وتحسين الأوضاع المعيشية للأسر الفقيرة، بما يقلل تدريجيا من حجم وفرص إقبالها على تشغيل أبنائها في منازل الغير تحت ضغط الحاجة.

تعزيز المقاربة التشاركية البناءة، بين مختلف القطاعات الحكومية والسلطات العمومية، المعنية باحتواء الأسباب المتداخلة في التشغيل المنزلي التعسفي، ومعالجة تداعياته الإنسانية والقانونية (وزارات: التنمية الاجتماعية، الشغل، التربية الوطنية، الداخلية، العدل…).

إعمال مقتضيات الاتفاقيات والتوصيات الدولية الخاصة بحماية الأطفال والنساء في محيط الأسرة وكذا في فضاء الشغل والتشغيل، والتي صادق عليها المغرب والتزم باحترامها وملاءمة تشريعه الداخلي مع بنودها.

ضمان تكوين علمي وميداني متخصص في مجال تشغيل الأطفال والنساء لفائدة مفتشي الشغل في الوسط المنزلي؛ يوازيه تفعيل الدور الجديد للعاملات والمساعدات الاجتماعيات في مهام التدخل لدى الأسر المشغلة ومراقبة شروط التشغيل، مع ضرورة توفير الحماية القانونية اللازمة لهن عند أداء هذه المهام.

2- على المستوى القضائي:

فتح تحقيقات فورية ودقيقة -تحت إشراف النيابة العامة- في جميع الانتهاكات والجرائم التي يمكن أن يقع ضحيتها عمال وعاملات المنازل، خصوصا القاصرون منهم: (الاستغلال في العمل القسري أو السخرة، الإيذاء العمدي، الاعتداء على الشرف، ترك الأطفال العاجزين أو تعريضهم للخطر، الاغتصاب، ممارسة العنف…إلخ).

الإسراع بإحالة مرتكبي الجرائم والانتهاكات المذكورة (مثالا فقط لا حصرا) على العدالة، مع التطبيق الصارم لمقتضيات القانون الجنائي وقانون الإتجار بالبشر عند ثبوت الإدانة، وكذا تشديد العقوبات المستحقة في حوادث وحالات بعينها.

3- على مستوى المجتمع المدني:

تكثيف الأنشطة الميدانية التي تقوم بها الهيئات غير الحكومية والجمعيات العاملة في حقل المرأة والطفولة، بهدف المراقبة والتتبع والضغط في اتجاه التقليص النهائي لدائرة الانتهاكات المرتبطة بتشغيل الأطفال ومعاملة المستخدمين في المنازل.

إنشاء ائتلاف وطني للمنظمات غير الحكومية المعنية بالأهداف والمشاريع المتعددة التي يؤطرها “برنامج الأطفال في وضعية شغل”، وتمكينها من الموارد المادية والوسائل التقنية والبيداغوجية اللازمة، من أجل محو الأمية والتربية غير النظامية لفائدة العمالة المنزلية من النساء والأطفال.

تشجيع حملات التحسيس والتوعية الموجهة إلى الرأي العام الوطني بخطورة الأوضاع المعيشية لشريحة الشغيلة المنزلية، عن طريق مختلف القنوات وآليات التواصل، سواء مع الأطراف المعنية مباشرة أو مع مكونات الساحة الاجتماعية النشيطة.

4- على مستوى الأسـرة :

التزام كل الأسر المغربية أخلاقيا سواء (سواء المصدرة منها لليد العاملة المنزلية أو المستقبلة لها)، بالامتناع الذاتي عن تشغيل الفتيات الصغيرات في سن التمدرس الإجباري.

حث الأسر المشغلة على احترام كرامة العاملات والعمال المنزليين، وحماية حقوقهم الإنسانية والمهنية في محيط الشغل المنزلي (تحديد ساعات العمل، أداء الأجر بانتظام، ضبط العلاقة المتوازنة بين الخادم والمخدوم، حسن المعاملة…).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.