أصيلة : الذكرى السنوية الأولى على وفـ ــاة الراحل “محمد بنعيسى” مثقلةً بالحـ ــزن
انشر
مع بداية أول أيام شهر رمضان الكريم تمرّ الذكرى السنوية الأولى على وفاة الراحل الدبلوماسي الكبير “محمد بنعيسى” مثقلةً بالحزن، لكنها أيضًا عامرة بالامتنان لرجلٍ ترك بصمته في الثقافة والسياسة والدبلوماسية المغربية، ونسج اسمه بخيوط الإبداع والانفتاح في ذاكرة الوطن.
كان الراحل محمد بنعيسى واحدًا من أبرز الوجوه التي جمعت بين الفكر والممارسة، بين الثقافة والعمل العام. وُلد سنة 1937، وشقّ طريقه بثباتٍ في مسارات متعددة، فكان صحفيًا، ومثقفًا، ودبلوماسيًا، ثم رجل دولة حمل همّ المغرب إلى المحافل الدولية بكل حكمة واقتدار.
تقلّد منصب وزير الثقافة، ثم شغل منصب وزير الشؤون الخارجية والتعاون، حيث مثّل المغرب في أدقّ المراحل وأحوجها إلى صوتٍ رصينٍ وحضورٍ وازن.
كما عُرف بسعيه الدائم إلى جعل الثقافة جسرًا للحوار، لا ترفًا نخبويًا، فأسّس واحتضن مبادرات ثقافية رائدة، وكان من أبرز مؤسسي موسم أصيلة الثقافي الدولي، الذي تحوّل إلى موعدٍ سنويٍّ يحتفي بالفكر والفن، ويجمع مبدعين من مختلف بقاع العالم في مدينة أصيلة.
لقد آمن الراحل بأن الثقافة قوة ناعمة قادرة على ترسيخ قيم السلام والتفاهم، وأن المغرب، بتاريخِه وتعدّده، مؤهل ليكون فضاءً مفتوحًا للحوار الحضاري.
ومن خلال عمله الدبلوماسي، عمل على تعزيز صورة المغرب كبلدٍ معتدل، منفتح، ومتشبث بثوابته.
لم يكن محمد بنعيسى مجرد مسؤولٍ يتقلّد المناصب، بل كان رجل رؤية. امتاز برصانته وهدوئه، وبقدرته على الإصغاء قبل الكلام، وعلى بناء الجسور بدل إشعال الخلافات.
وفي كل موقعٍ تولّاه، ترك أثرًا إنسانيًا قبل أن يكون إداريًا؛ أثرًا في زملائه وتلامذته وكل من عرفه عن قرب.
في هذه الذكرى الأولى لرحيله، نستحضر مسيرته لا لنرثيه فقط، بل لنجدّد العهد على القيم التي آمن بها: خدمة الوطن بإخلاص، والانتصار للثقافة كرافعةٍ للتنمية، وتعزيز الحوار كسبيلٍ للتعايش.
فالأوطان لا تُبنى بالسياسة وحدها، بل تُصان بالوعي، وتزدهر بالفكر، وتخلّد بأسماء رجالٍ صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
رحم الله محمد بنعيسى، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما قدّمه لوطنه في ميزان حسناته. ستظلّ سيرته حيّة في ذاكرة المغرب، ما بقيت أصيلة تفتح أبوابها للفكر، وما ظلّ في هذا الوطن من يؤمن بأن الثقافة رسالة، وأن خدمة البلاد شرف ومسؤولية.