“الجائحة الصامتة” تهـ ــدد “المهندسين غير المرئيين” لأعماق البحار على مقربة من المغرب
انشر
كتب:عبد العزيز حيون / كشفت دراسة حديثة نشرتها مجلة “Frontiers in Marine Science” عن تدهور كارثي في أعداد قنافذ البحر من نوع (Diadema africanum)، التي سيطرت لعقود على القيعان الصخرية في جزر الكناري،على مقربة من المغرب، مؤكدة أنها باتت اليوم على شفا الانقراض التام.
البحث الذي قاده علماء من جامعة “لا لاغونا” (ULL) يحذر من أن هذا الانهيار يهدد التوازن البيئي البحري في المنطقة بأكملها.
وأوضح العلماء أن المشكلة الكبرى لا تكمن فقط في نفوق الكائنات البالغة، بل في توقف عملية التكاثر، حيث لم يتم العثور على يرقات أو صغار جديدة، مما يجعل استعادة النوع على المدى القريب والمتوسط أمرا شبه مستحيل.
”مهندسو البيئة” ودورهم الحيوي:
يُطلق على هذه القنافذ وصف “المهندسين غير المرئيين” نظرا لدورها الجوهري في السلسلة الغذائية والنظام البيئي الساحلي:
حماية الشعاب: تتغذى هذه القنافذ على الطحالب، مما يمنعها من خنق المرجان والكائنات الأخرى بطيئة النمو.
حلقة وصل غذائية: تُعد مصدرا أساسيا لغذاء العديد من الأسماك، والقشريات، ونجم البحر، وحتى بعض الثدييات البحرية.
مكافحة “الصحاري الصخرية”: كان يُعتقد سابقا أن تكاثرها المفرط (بسبب الصيد الجائر لمفترساتها) يحول القيعان إلى صخور عارية، لكن العلماء يواجهون الآن النقيض تماما: خطر اختفائها الكلي.
بداية الانهيار: مسببات غامضة وأرقام صادمة:
بدأت أولى علامات الكارثة في فبراير 2022 في جزيرتي “لا بالما” و”لا غوميرا”، حيث ظهرت أعراض مرضية غريبة على القنافذ، شملت فقدان القدرة على الحركة، وعدم الاستجابة للمؤثرات، وتساقط الأشواك، ثم الموت الجماعي.
وشملت الدراسة تحليل 76 موقعا عبر الجزر السبع بين عامي 2022 و2025، وجاءت النتائج مرعبة:
في جزيرة تينيريفي: انخفضت وفرة قنافذ (D. africanum) بنسبة 99.7%.
في جزيرة لا بالما: تراجعت الأعداد بنسبة 74%.
وأكد إيفان كانو، الباحث الأول في الدراسة، أن “السكان البحريين لم ينهاروا فحسب، بل فقدوا قدرتهم على التجدد”، مشيرا إلى أن غياب اليرقات يعني نهاية الدورة البيولوجية لهذا النوع في المنطقة.
ظاهرة عالمية مجهولة السبب:
رغم الجهود الحثيثة، لا يزال العامل المرضي المسبب لهذا النفوق الجماعي لغزا يحير العلماء.
والمثير للقلق أن هذه الظاهرة ليست محلية، بل تزامنت مع موجات نفوق مماثلة لأنواع من جنس (Diadema) في مناطق جغرافية متباعدة تشمل البحر الكاريبي، والبحر الأبيض المتوسط، والبحر الأحمر، وبحر عمان، وغرب المحيط الهندي.
ويربط بعض الباحثين هذه “الجائحة الصامتة” بالتغيرات المناخية وارتفاع درجة حرارة المحيطات، مما قد يسهم في انتشار مسببات الأمراض بشكل أسرع.
وفي انتظار فك شفرة هذا المرض، تظل سواحل جزر الكناري ،القريبة من المغرب، مهددة بفقدان أحد أهم ركائز نظامها البيئي، مما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية وغير متوقعة في طبيعة الحياة البحرية في الأرخبيل.