- بالإضافة للسكوندو، المتواجد هو أيضا تحت الأرض، فإن السجون المطمورة تشكل إحدى العناصر الأكثر تفردا في المدينة العتيقة لتطوان. لا يوجد بالمغرب أي شيء مماثل. نجد فقط بمكناس السجون المطمورة أيضا ولكن بمميزات مختلفة عن تلك التي نجدها في تطوان والتي انبثقت من امتزاج خاص بين عناصر جغرافية وأخرى تاريخية. فكظاهرة جغرافية فهذه السجون هي جزء من كهوف جبل درسة الذي تجثم فوقه مدينة تطوان. أما من الناحية التاريخية، فإنها تعود على ما يبدو لحقبة إعادة التأسيس من طرف سيدي علي المنظري أواخر القرن الخامس عشر ومستهل السادس عشر. ونجد في وصف إفريقيا التي كتبها صاحبها الحسن بن الوزان المعروف بليون الإفريقي في الثلث الأول من القرن السادس عشر فقرة صغيرة تتحدث عن سجون تطوان المطمورة:
“وقد حارب المندلي البرتغاليين باستمرار مكبدا إياهم خسائر فادحة في سبتة والقصر الكبير وطنجة. وكان يتوفر في غاراته تلك على ثلاثمائة فارس غرناطي، من خيرة رجال غرناطة حيث استطاع بفضلهم أسر العديد من المسيحيين الذين سجنوا ليشتغلوا أعمالا شاقة في بناء التحصينات الدفاعية، لما كنت هناك رأيت ثلاثمائة أسير مسيحي، يلبسون كيسا من الصوف وينامون الليل مقيدين في حفر تحت الأرض”
السجون المطمورة نشأت إذن في سياق تاريخي موسوم بمواجهة مباشرة بين المسلمين والمسيحيين وهي بالتالي تشكل وثيقة أركيولوجية من التاريخ العسكري لتطوان. هذا الإطار الحربي ساهم في نمو القرصنة حيث أصبحت تطوان معقلا من المعاقل الرئيسية للقرصنة في المتوسط، فبواخرها كانت تلوذ بالفرار نحو مياه نهر مارتيل غير العميقة. وقد اعتمدت تطوان في القرنين السادس عشر والسابع عشر في اقتصادها على تجارة الأسرى في الوقت الذي برزت فيه كحلقة متميزة في الطريق التجارية التي كانت تربط الصحراء بالمتوسط عبر مدينة فاس.
وقد لعبت السجون المطمورة في تلك الحقبة دوراً مهماً كمكان للأسرى الإيبيريين. وبالفعل فإن الفترة التي استعملت فيها بشكل أكبر هي تلك الممتدة بين القرنين السادس عشر والسابع عشر، فالقرصنة والنشاط الاقتصادي لسكان تطوان الأوائل كانت سبباً في نشأة تجارة مهمة للرقيق كما أن السجون المطمورة قدمت خدمة عامة ضرورية ساهمت في النظام الاقتصادي للمدينة، وهكذا فإن هذه السجون بشكل ما هي رمز كذلك للعلاقات التجارية والحربية والاجتماعية بين تطوان كمدينة أندلسية ومغربية من جهة والمملكات الإيبيرية من جهة أخرى. ومع ذلك فإنه لا يوجد اتفاق بين المؤرخين حول عدد الأسرى الذين استقروا بهذه السجون، فالتقديرات تتراوح بين 150 و4000 أسير.
لقد كان لوساطة تجار تطوان اليهود وكذا الفرانسيسكان دور مهم في تجارة الرقيق وخاصة عبر تدخل الآباء في عملية تحرير المساجين. وفعلا فإن جزءاً كبيراً من الشهادات التي وصلتنا حول سجون تطوان المطمورة مصدرها أعضاء إخوانية دينية وبالخصوص الرهبان الفرانسيسكان الذين عملوا على تخليص المساجين من الأسر. وكان من أهم الناشطين في هذا الحقل الأب فرناندو كونتريراس الذي وصف في القرن السادس عشر مساحة السجون وكذا خصائص أخرى. بل وصل إلى حد اقتراح غزو تطوان باستعمال منجم متصل بالسجون المطمورة أو المكان الذي كان يوجد به الأسرى، وذلك في رسالة وجهها لفيليبي الثاني وهكذا نجد في كتاب غابرييل أراندا حياة الأب فرناندو دي كونتريراس المبجل المنشور في إشبيلية سنة 1692، والذي نجد فيه وصفا للسجون المطمورة ورد فيه:
“تتوفر السجون على ثلاث طبقات تحت الأرض، وهي على شكل مطامير تعلوها كوات ذات حاجز حديدي مشبك. بعض هذه المطامير أو الزنزانات متواصل فيما بينه عبر ممرات ضيقة، سجون لا تعرف الهواء ولا الشمس ولا يمكن رؤية السماء منها ويتسرب إليها قليل من النور. وتستعمل آخر هذه المطامير أيضا لحبس المسلمين الذين ارتكبوا جرائم. يرافق هؤلاء المساجين في لحظات استراحتهم من مشقة الأشغال القاذورات والأوساخ الكثيرة بسبب تراكم عدد كبير من الأشخاص. رائحة كريهة لا يمكن تحملها، وقد أكد لي أحد الرهـهـبان من فكاكي الأسرى، أنه فقد وعيه بعد لقائه لفترة وجيزة بالمساجين. السرير عبارة عن ضفيرة من التبن، عراة، مقيدون بالسلاسل والأصفاد وبأدوات سجن أخرى قاسية من بينها قضبان حديدية سميكة وطويلة يسمونها الكندرة توصل أطرافها بقيدين ويفرض عليهم وضع أرجلهم بها حيث تفصل عصا فيما بينهما. في الصيف لما تكون الأرض ساخنة ويكون هناك الكثير من الأشخاص في مساحة ضيقة فإنهم يكتوون من شدة الحر. في هذه المطامير يبقى الأسرى طيلة النهار والليل اللهم إذا خرجوا للشغل فإنهم يخرجونهم آنذاك مقيدين بالأصفاد في وقت متأخر ويعيدونهم في وقت مبكر، حتى لما يصابون بمرض ما فإنه لا يتم تحسين سكناهم أو تغييرها من أجل مواجهة المرض”.
وزار هذه السجون المطمورة العديد من الرهبان البرتغاليين كذلك كما هو الحال مع اليسوعي إغـنـاثـيـو فـوغـادو والأب خـوان نـونييث باريتو زالأب لويس غونشالفيس دي كامارا، الذين وصلوا إلى تطوان في 12 نونبر 1548 لفك الأسرى.ففي الفترات العصيبة يتم استعمال هذه السجون بكثرة من طرف الحكام التطوانيين. وهكذا نجد أنه بعد إعلان مولاي يزيد الحرب على الإسبان سنة 1790 فإنه ألقى بالمساجين والرهبان بل حتى بالقناصلة الإسبان في غياهب السجون المطمورة تحت أرض المدينة العتيقة.
إن أهم الأشغال التي عمدت لإدخال إصلاحات على المطامير تم إنجازها في العقد الثاني من القرن العشرين خلال فترة الحماية الإسبانية. ففي سنة 1922 قام غوميث مورينو بإعداد دراسة حولها وفي دجنبر من نفس السنة انطلقت أشغال استكشافها وتنظيفها تحت إدارة سيزار لويس دي مونتالبان إي ماثاس.
ونشرت سنة 1929 نتائج هذا الاستكشاف الأخير الذي كان يضم خريطة للموقع أنجزها المهندس كارلوس أوفيلو. ويبدو أن الأشغال اقتصرت على المنطقة التي يوجد بها ما تم نعته ب”كنيسة” المطامير حيث يعتقد، اعتماداً على الآثار الموجودة، بأن المسيحيين كانوا يمارسون شعائرهم الدينية. وفي سنة 1957 وبعد زيارة برفقة ألفونسو دي سييرا أوشوا الذي كان مهندس البلدية في تلك الحقبة نشر كل من فرانسيسكو بارسيلو مويا وإميليو فرناندث رومان مقالة كذلك حول السجون المذكورة. ولنتوقف عند ارتسامات غوميث مورينو التي نشرها في Revista Hispano Africana بعنوان “اكتشافات وآثار بتطوان” حيث نقرأ:
“توجد داخل أسوار المدينة. جزء منها تحت طريق من حيث يمكن الدخول باستعمال سلم يدوي بينما الجزء الثاني يوجد تحت منازل. في البدء كانت مجرد حفر أقيمت بصخرة يعلوها ثقب يستعمل كباب للدخول كما كانت العادة في غرناطة، حيث كانت تستغل سواء كمخازن أو كسجن للأسرى ليلا. مع الزمن ترسخ هذا الدور الأخير فتم فتح قنوات التواصل بين بعضها البعض، وهو الحال الذي توجد عليه اليوم، كما تم تعزيزها وتوسيعها عبر أقواس نصف دائرية من الأجر التي أفرزت كوات جانبية كبيرة تعطي شكلاً مربعاً لكل الحفر تقريباً. ويمكننا اليوم التعرف على ثلاث سجون مطمورة متتالية التي يوجد بنهايتها باب من حيث كان يمكن الدخول عبر إحدى المنازل. الأمر الذي يرجح التكهن القائل بأن المطامير كانت أكثر اتساعاً، وتعطي جدرانه، التي جيرت مرات متعددة، الانطباع بأنها استعملت كحجرات للسكن بل حتى أنها تتوفر على بعض مظاهر الزينة حيث نجد أن الباب المذكورة وكذا في حفرتين أخرتين يوجد تلبيس من زليج الطراز
الإيطالي من القرن السابع عشر، ربما تم استيراده من إشبيلية. بالإضافة إلى هذا نجد فوق الباب الموصلة بين الحجرة الأولى والثانية كوة مقوسة والتي يبدو أنها استعملت ككنيسة للأسرى وهو ما يبرر الزينة المذكورة”.
ماذا بقي من السجون المطمورة في ذاكرة تطوان؟ فكلمة mazmorras الإسبانية تشير إلى سجن الأسرى كما أنها كلمة تتوفر على عدة مراد ر فات (Sagena, Vite, Camuto) بينما الكلمة في العربية “مطامير” تبقى كلمة أكثر حيادا فهي تعني حرفيا “مكان الطمر”، أما بالنسبة لساكنة المدينة العتيقة بتطوان فإن هذه الكلمة لا تعدو كونها إسما لزنقة ولحي: زنقة امطامار، إحدى أهم الأزقة التجارية بالمدينة العتيقة وخاصة فيما يتعلق بالمواد الغذائية – أفضل جبن بلدي يمكن اقتناؤه من هذا المكان- وحي مطمار أو المطامير حيث توجد منازل العائلات التطوانية الكبيرة كعائلة أفيلال والخطيب وبن مرزوق على سبيل المثال. هذا الحي يشكل جسرا بين أحدث وأرفع حي سكني بالمدينة العتيقة: حي الجامع الكبير الذي أنشأ في القرن التاسع عشر والجزء الأقدم بالمدينة، ذلك المحيط بقصبة سيدي المنظري وجامع القصبة وقوس العدل، وهو نسخة مصغرة للقوس الموجود بمدخل قصر الحمراء.
في مبحث إسم الأماكن نجد أن جزءا من السجون المطمورة يقع تحت زنقة امطامار أو المطامير الذي يعتبر جزءاً من النواة الأولى للمدينة العتيقة والمعروف بالبلاد. ويجهل مع ذلك الاتجاه والمساحة الدقيقة لكل السجون، ورغم معرفتنا بأن أطرافها تنتشر في جزء كبير من المدينة العتيقة لتتجاوز بعض أبواب المدينة فإنه من الصعب تقدير مساحتها بحكم كونها اليوم مغلقة ومداخلها مختومة.
وبشكل عام يمكن اعتبار هذه السجون تجسيدا واضحا للبعد المأساوي لماض مشترك بين الإسبان والمغاربة. فالتعايش بين المسلمين والمسيحيين وبين المسلمين واليهود لا يمكن استيعابه بدون اعتبار للبعد الحربي الذي عرفته تلك الحقبة، ففي العصر الحديث كانت الحرب واقعا في الحوض المتوسط أجمعه والسجون المطمورة خير شاهد على العلاقات الإنسانية المعقدة في تلك الفترة التاريخية. ففي القرن الثامن عشر وبعد مرور الفترة الحرجة التي أجملتها المواجهة الدينية وأعمال القرصنة، مططت السجون المطمورة مجال خدمتها. وهكذا يعلق غولثابيس بوستو في كتابه الموريسكيون بالمغرب قائلا:
السجون المطمورة هي اليوم في الواقع سجون عمومية. لا يوجد بها أسرى ]…[ لقد أنهت تاريخها الطويل كمعتقل للأسرى ومورد للفدية. لا نجد أي نص يشير إليها. الطريق التي اجتزناها عبر المخطوطات، خاصة تلك التي تتحدث عن الفديات، تضعنا أمام نظرة مؤلمة لتاريخنا الذي مع ذلك لا يمكننا تركه جانبا. فهو أحببنا أم كرهنا جزء من تجربة تاريخية وإنسانية التي قد تكون بادية للعيان في بعض الأحيان وقد تكون مدفونة كما هو الحال مع سجون تطوان
المطمورة”.
أكيد أن لتطوان حاجيات معمارية أكثر إلحاحاً. ومع ذلك فإن إصلاح وفتح هذه السجون في وجه العموم أمر غير مألوف في المدن الإسلامية العتيقة، قد يساعد على استعادة جزء كبير من التاريخ – الأسود وهو أمر غير مألوف في المدن الإسلامية العتيقة، قد يساعد على استعادة جزء كبير من التاريخ- الأسود بالتأكيد- ومن ذاكرة المدينة نفسها وكل المتوسط. ولنختم بكلمات غوميث مورينو في المقال المذكور:
“فكمعالم تاريخية هذه المطامير تفتقد لأي قيمة ولكن تاريخ ماضينا بالأراضي البربرية حيث عاني الأسرى الإسبان الأمرين، يجعلها تستحق النظر إليها بكل احترام وصيانتها بورع”.
الكتاب: المدينة العتيقة في تطوان “دليل معماري”

