123aaaaaqq123

الألعاب التعليمية البسيطة تعيد للتلميذ ثقته في القراءة والكتابة

بقلم الأستاذة نعمت بالعطار : عندما نراقب تلميذا لا يقرأ، نحن في الحقيقة لا نرى تلميذا لا يعرف الحروف، بل نرى تلميذا يخاف. يخاف أن يخطئ أمام زملائه، ويخاف أن يُحكم عليه بأنه ضعيف. في علم النفس التربوي يسمى هذا بضعف الكفاءة الذاتية، فالتلميذ لا يقول في سره أنا لا أعرف القراءة، بل يقول أنا لست قادرا. وهنا المشكلة الحقيقية، لأننا أمام أزمة ثقة وهوية، وليس مجرد مشكلة معرفية، ولا يمكن علاج أزمة الثقة بنفس طريقة علاج الحروف.

ما يحدث في دماغ التلميذ الخائف يفسر الكثير. عندما يشعر بالخجل أو التوتر يفرز دماغه هرمون الكورتيزول، وهذا الهرمون يغلق بشكل مؤقت المنطقة المسؤولة عن التفكير واللغة والذاكرة، ويضع الدماغ في وضعية الدفاع والهروب. لهذا يتجمد التلميذ ولا يجيب، ليس لأنه لا يعرف الجواب، بل لأن دماغه مشغول بحماية نفسه. وعلى العكس تماما، عندما يلعب التلميذ يفرز دماغه هرمون الدوبامين، وهو هرمون المتعة والدافعية، فيصبح الدماغ منفتحا ومرنا ومستعدا للحفظ والتذكر. إن التعلم يمر بسهولة إلى الدماغ عندما يكون القلق منخفضا والمتعة عالية. لذلك فاللعب ليس ترفيها، بل هو حالة بيولوجية ضرورية لكي يتعلم الدماغ.

اللعبة البسيطة تعيد الثقة لأنها تغير معنى الخطأ في عقل التلميذ. في الحصة التقليدية الخطأ هو فشل يحاسب عليه، أما في اللعبة فالخطأ هو جزء طبيعي من اللعب، يضحك التلميذ ويحاول من جديد دون خوف. كما أن اللعب يغير مصدر التعلم، الطفل يتعلم بشكل أفضل مع أقرانه. في العمل الجماعي، التلميذ المتعثر يتعلم من زميله دون أن يشعر بالنقص، لأنهما في نفس الفريق ولهما نفس الهدف، فهو يقرأ لأنه يريد مساعدة فريقه وليس لأنه مجبر. واللعب أيضا يغير علاقة الجسد بالحروف، الحرف الذي يلمسه التلميذ بيديه ويركبه ويتحرك ليبحث عنه على جدران القسم يثبت في ذاكرته البصرية والحركية، فتصبح القراءة تجربة كاملة يعيشها جسده كله.

إن الهدف الأعمق للألعاب التعليمية ليس أن يقرأ التلميذ بسرعة، بل أن يستعيد صورته عن نفسه. عندما ينجح في لعبة بسيطة ويصفق له زملاؤه ويقول له الأستاذ أحسنت، فهو لا ينجح في قراءة كلمة فقط، بل ينجح في إثبات أنه قادر. هذه اللحظة الصغيرة تعيد بناء ثقته التي انكسرت. ومع الوقت يتحول حواره الداخلي من أنا لا أستطيع إلى أنا حاولت ونجحت، ثم إلى أنا أستطيع أن أقرأ. وهنا يتحول القسم كله، لأن التلميذ الذي استعاد ثقته في القراءة يستعيد ثقته في المدرسة كلها.

في النهاية نحن لا نلعب لنهرب من التعلم، نحن نلعب لنصل إليه. التلميذ الذي يخاف لن يتعلم مهما كررنا له الحروف، والتلميذ الذي يثق بنفسه سيتعلم حتى بأبسط الوسائل. ولهذا قد تكون أبسط لعبة ببطاقة ملونة أو بحركة صغيرة داخل القسم هي المفتاح الذي يفتح بابا أغلقه الخوف لسنوات، ويعيد للتلميذ أغلى ما فقده وهو ثقته بنفسه.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.