من مدينة طنجة، حيث يلتقي البحر بالمعمار والتاريخ بالحداثة، يبرز الفنان التشكيلي هشام مورو كتجربة فنية عصامية اختارت أن تجعل من الشغف والتجريب المستمر طريقاً لبناء هوية تشكيلية خاصة.
حاصل على الإجازة المهنية في اللوجستيك والنقل، إلا أن مساره الأكاديمي لم يمنعه من مواصلة شغفه بالفن، الذي رافقه منذ طفولته. ويعود مورو ببداية علاقته بالرسم إلى لحظة بسيطة لكنها راسخة في ذاكرته؛ حين كانت والدته تجلس بجانبه أثناء إنجاز واجباته المدرسية، وتأخذ ورقة بيضاء وترسم عليها وردة وتكتب بخط يدها: «هذه وردة أهديها إلى ابني هشام». كانت تلك الوردة الصغيرة، في نظره اليوم، الشرارة الأولى التي زرعت داخله حب الرسم والتعبير التشكيلي.
ورغم أن علاقته بالفن بدأت في سن مبكرة، فإن الانطلاقة الجادة لمساره التشكيلي جاءت سنة 2021، بعد أن وجد في فترة جائحة كورونا فرصة للعودة إلى الرسم بشكل أكثر جدية. انتقل حينها إلى الاشتغال على اللوحات القماشية الكبيرة، وبدأت أعماله الأولى تحظى بإعجاب وتشجيع محيطه، ليواصل بعد ذلك تطوير تجربته من خلال التكوين الذاتي والممارسة اليومية والتجريب المستمر.

يعتمد هشام مورو في أعماله على الزيت والأكريليك وتقنية الرسم بالسكين (Palette Knife)، مع اهتمام خاص بالملمس والكتلة والضوء. ولا ينتمي إلى مدرسة فنية محددة أو يسعى إلى تقليد فنان بعينه، بل يعتبر الطبيعة والمعمار المغربي وروح مدينة طنجة مصادر أساسية لإلهامه وبناء لغته البصرية الخاصة.
وتحتل الذاكرة والتراث مكانة بارزة في تجربته، سواء من خلال تصوير الأبواب والمعمار المغربي الأصيل، أو المشاهد الطبيعية والبحرية لطنجة، أو الأعمال ذات الطابع الروحاني.

ومن بين أكثر مشاريعه تميزاً، مشروع إعادة إحياء طاولة خشبية عائلية تعود إلى جده. لم يتعامل معها كقطعة أثاث قديمة فقط، بل أعاد توظيفها وتحويلها إلى عمل فني يحمل ذاكرة العائلة، من خلال تغليفها بالقماش والرسم عليها، ومن بين المواضيع التي اشتغل عليها مشهد للكعبة المشرفة. وهكذا تحولت قطعة أثاث تحمل آثار الزمن إلى لوحة فنية تحتفظ بقيمتها العاطفية والتاريخية.
ولا تقتصر تجربة مورو على الرسم، بل تمتد إلى النمذجة ثلاثية الأبعاد (Miniature/Diorama)، حيث يصمم ويبني بيئات ومجسمات مصغرة مستعيناً بخامات طبيعية مثل الأحجار الحقيقية والخشب والمواد الطينية، في محاولة لإعادة خلق تفاصيل من الحياة والبيئة والتراث في فضاءات صغيرة ودقيقة.
كما خاض تجربة في المجال الأكاديمي والتأطير الفني، من خلال تأطير ورشة «التعبير التشكيلي وتنمية الحس الجمالي لدى المتعلم» لفائدة طلبة الفصل السادس بالمدرسة العليا للتربية والتكوين بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة، ضمن فعاليات الملتقى الثالث لـ«فنون ومهارات»، بتاريخ 23 أبريل 2026.
اليوم، يواصل هشام مورو بناء تجربته الفنية انطلاقاً من قناعة مفادها أن الفن ليس مجرد رسم على قماش، وإنما وسيلة لحفظ الذاكرة وإعادة اكتشاف التفاصيل التي قد يفقدها الزمن. وبين طنجة، وتراث المغرب، والذاكرة العائلية، والبحث المستمر عن أساليب جديدة، يستعد الفنان لإطلاق معرضه الفردي الشامل المرتقب تحت عنوان «أثر»؛ عنوان يختزل، إلى حد كبير، فلسفته الفنية: أن يترك العمل أثراً بصرياً وإنسانياً يتجاوز لحظة إنجازه، ويحمل معه شيئاً من المكان والذاكرة والإنسان.

