أكدت أمل الفلاح السغروشني، الوزيرة المنتدبة المكلفة بالانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة، أن تطوير الذكاء الاصطناعي محليا أصبح ركيزة أساسية لتعزيز السيادة الرقمية للمغرب، مشددة على أهمية الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى المساهمة في تصميمها وتطويرها، وذلك خلال عرض قدمته في إطار مؤتمر الجمعية المغربية لمستخدمي الأنظمة المعلوماتية (AUSIM) بمدينة طنجة.
أبرزت السغروشني، خلال عرضها المعنون «AI Made in Morocco.. La célérité d’une conquête de souveraineté»، في لقاء بمدينة طنجة، أمس الخميس 08 أكتوبر 2026، أن مفهوم السيادة الوطنية يشهد تحولات متسارعة، إذ لم يعد مرتبطا فقط بالحدود الترابية، بل أصبح يشمل أيضا التحكم في البيانات والكابلات البحرية وقدرات الحوسبة والنماذج الرقمية، معتبرة أن السيادة الرقمية لا تُورث، بل تُبنى من خلال امتلاك القدرات التكنولوجية وتطويرها.
وأوضحت الوزيرة أن المجالات البرية والبحرية والجوية والفضائية، إلى جانب الفضاء السيبراني، أصبحت تعتمد بشكل متزايد على الأنظمة الرقمية والذكاء الاصطناعي، سواء في تدبير المعلومات أو تحليل المعطيات أو دعم اتخاذ القرار.
وفي هذا السياق، سلطت السغروشني الضوء على التحولات التي تعرفها الأنظمة التكنولوجية، من رقمنة المعلومات وبناء الشبكات، إلى توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل البيانات، وصولا إلى الأنظمة الوكيلة القادرة على تنفيذ المهام والتفاعل واتخاذ القرارات وفق مستويات مختلفة من الاستقلالية وتحت إشراف بشري.
كما تناول العرض دور التكنولوجيا في النزاعات الحديثة، من خلال تقديم أمثلة تتعلق بالطائرات بدون طيار والحرب الهجينة، مبرزا أن التحكم في هذه الأنظمة لا يقتصر على امتلاك المعدات، بل يشمل أيضاً البرمجيات والبيانات وقدرات الاتصال والتحديث. وتطرقت الوزيرة، في هذا الإطار، إلى أهمية حماية البنيات التحتية الرقمية، بما فيها الكابلات البحرية وشبكات الاتصال وأنظمة الحوسبة.
«المغرب الرقمي 2030» والذكاء الاصطناعي السيادي
وفي ما يتعلق بالرؤية المغربية، عرضت السغروشني توجّه المملكة نحو تطوير نموذج للذكاء الاصطناعي وصفته بالمقتصد والشامل والمسؤول، يُطوَّر في المغرب ومن أجله، مع الانفتاح على التجارب والأسواق الدولية.
وشددت على أن بناء السيادة الرقمية لا يعني الانغلاق أو الاستغناء المطلق عن التكنولوجيا الأجنبية، بل يقتضي امتلاك القدرة على اختيار الشراكات التقنية وتنويعها، والتحكم في التبعيات الرقمية وتعزيز القدرة على مواجهة المخاطر وضمان استمرارية الخدمات الاستراتيجية.
وفي هذا الإطار، استعرضت الوزيرة أهداف استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، التي تشمل تطوير الخدمات العمومية الرقمية وتبسيط المساطر الإدارية، إلى جانب تعزيز الاستثمار في الذكاء الاصطناعي وتكوين الكفاءات الوطنية.
ووفق المعطيات التي تضمنها العرض، يهدف مشروع «AI Made in Morocco» إلى تحقيق قيمة مضافة تصل إلى 100 مليار درهم، وإحداث 50 ألف منصب شغل، وتكوين 200 ألف موهبة في أفق سنة 2030.
كما تناول العرض تطوير الخدمات الإدارية الرقمية، من خلال بوابة «إدارتي» ومشاريع الجيل الجديد من الخدمات العمومية، إلى جانب تعزيز البنيات التحتية للاتصالات والحوسبة والبيانات، باعتبارها مكونات أساسية لتطوير منظومة وطنية للذكاء الاصطناعي.
الحوسبة والكفاءات والنماذج اللغوية ضمن الأولويات
وأكدت السغروشني أن تسريع تطوير الذكاء الاصطناعي بالمغرب يقتضي العمل بشكل متوازٍ على توفير قدرات الحوسبة، وتحسين الولوج إلى البيانات، وتكوين الكفاءات، ووضع أطر قانونية تعزز الثقة في استخدام التكنولوجيا.
وفي هذا الصدد، حدد العرض خمسة أوراش رئيسية للمرحلة المقبلة، تشمل تطوير قدرات الحوسبة السيادية وتيسير استفادة الباحثين والشركات الناشئة منها، وتعزيز الإطار القانوني والمؤسساتي، وتطوير النماذج اللغوية، والاستثمار في المواهب، فضلا عن توسيع استخدامات الذكاء الاصطناعي في المرافق العمومية والتطبيقات الميدانية.
وتشمل هذه الأولويات أيضا تطوير نماذج للذكاء الاصطناعي تستوعب العربية والدارجة المغربية والأمازيغية، إلى جانب لغات إفريقية، بما يتيح توسيع نطاق الاستفادة من التكنولوجيا ومراعاة الخصوصيات اللغوية والثقافية للمجتمعات.
كما أبرز العرض أهمية شبكة «JAZARI» ومراكز «JAZARI ROOT» في إطار التوجه نحو تعزيز منظومة الابتكار والبحث والتطوير في مجال الذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحاجة إلى إعداد كفاءات قادرة على تطوير الحلول الرقمية وتوظيفها في مختلف القطاعات.
تسريع التحول الرقمي لمواكبة المنافسة الدولية
وفي معرض حديثها عن أهمية عامل الزمن، أشارت الوزيرة إلى التفاوت في الاستثمارات العالمية في الذكاء الاصطناعي، وإلى التحديات التي تواجه المبتكرين في إفريقيا، خصوصاً محدودية الولوج إلى قدرات الحوسبة المتقدمة.
واعتبرت أن تحقيق قفزة تكنولوجية يتطلب الجمع بين الطاقة، والبنيات التحتية للحوسبة والبيانات، والحوكمة الملائمة للمعطيات، وتكوين المواهب، مؤكدة أن حجم الاستثمارات وحده لا يكفي لتحقيق التقدم، ما لم يُواكَب بسرعة التنفيذ وحسن توظيف الموارد المتاحة.
وخلصت السغروشني إلى أن معركة السيادة الرقمية تُحسم أيضا في البنيات التحتية غير المرئية، من البيانات والنماذج إلى البرمجيات والأنظمة الذكية، مشددة على أن مشروع «AI Made in Morocco» يعكس توجه المغرب نحو المشاركة في تصميم التكنولوجيا وتطويرها، وليس الاكتفاء باستخدامها.

