123aaaaaqq123

الفحص أنجرة : العامل محمد خلفاوي.. عقل أكاديمي يدبر إقليما بثقل اقتصادي عالمي

من قاعات الجامعة ومختبرات البحث العلمي إلى إقليم تتجاور فيه الدواوير مع المصانع، انتقل محمد خلفاوي إلى الإدارة الترابية حاملا مسارا أكاديميا وإداريا طويلا، وتكوينا يقوم على الدقة وتدبير الملفات بهدوء.

عُيّن خلفاوي عاملا على إقليم الفحص أنجرة في أكتوبر 2025. لم يصل من المسار التقليدي لرجال السلطة، بل جاء من التعليم العالي، بعد تجربة تنقل خلالها بين التدريس وإدارة الجامعات ومؤسسات البحث العلمي.

ولد في تونفيت بإقليم ميدلت، بعيدا عن المراكز الحضرية الكبرى. درس الرياضيات، ثم حصل على الدكتوراه من جامعة مونبلييه الفرنسية. وعقب عودته إلى المغرب، بدأ مسارا داخل الجامعة، أستاذا وباحثا ومسؤولا إداريا.

قاد المدرسة العليا للتكنولوجيا بسلا، ثم شغل منصب الكاتب العام لجامعة ابن زهر بأكادير، وبعدها جامعة محمد الخامس بالرباط. وتولى لاحقا إدارة المركز الوطني للبحث العلمي والتقني، قبل أن يعين كاتبا عاما لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار مطلع 2025.

تكشف هذه المحطات صورة مسؤول راكم خبرته خطوة بعد أخرى. لم يصنع اسمه عبر الظهور الإعلامي، بل من داخل مؤسسات تتطلب الصبر والانضباط والتفاوض اليومي وتنسيق المصالح المتباينة.

فالجامعة، بما تضمه من أساتذة وطلبة ونقابات ومختبرات وميزانيات وشراكات، تختبر قدرة المسؤول على الإصغاء واتخاذ القرار وضبط الأولويات. ومن هذا الوسط خرج خلفاوي إلى إقليم يحتاج إلى المهارات نفسها، لكن على أرض أكثر حساسية.

منحته الرياضيات منهجا يقوم على ترتيب المعطيات وربط النتائج بمقدماتها. ومنحته الإدارة الجامعية معرفة بطبيعة المؤسسات وكيفية دفعها إلى العمل رغم تعدد الفاعلين. أما الفحص أنجرة، فيضع هذه الخبرة أمام اختبار اجتماعي وترابي مباشر.

يضم الإقليم 100 ألف و789 نسمة، موزعين على 25 ألفا و160 أسرة، وتعيش غالبيتهم في مناطق قروية. لكن خلف هذا الحجم السكاني المحدود يوجد أحد أهم المراكز الاقتصادية في المغرب، ميناء طنجة المتوسط ومحيطه الصناعي واللوجستي.

تمتد مناطق الأنشطة المرتبطة بالمنصة على نحو 3000 هكتار، وتضم أكثر من 1500 شركة، وتوفر حوالي 145 ألف منصب شغل. وخلال 2025، سجلت 106 مشاريع جديدة و14 عملية توسعة، باستثمارات خاصة بلغت 17.13 مليار درهم، مع إحداث 15 ألفا و658 وظيفة.

وسط هذه الأرقام، يتحرك خلفاوي في موقع يجمع بين ضغط المشروع الدولي وانتظارات السكان. فمن جهة، توجد السفن والمصانع والشاحنات والاستثمارات. ومن جهة أخرى، توجد دواوير تنتظر الماء والطريق والنقل والمدرسة والمركز الصحي وفرصة العمل.

هنا تظهر طبيعة مهمته. فهو لا يدير الميناء، ولا يتحدث باسم الشركات الموجودة داخله. إنه يدير المجال الذي يحيط بهذا الثقل الاقتصادي، ويحاول تقريب أثره من السكان الذين يرونه أمامهم كل يوم.

وتناسب شخصية خلفاوي الهادئة هذا النوع من المسؤوليات. فمساره يعكس رجلا يميل إلى العمل المؤسساتي أكثر من الحضور الاستعراضي، وإلى معالجة الملفات بالترتيب والتنسيق. كما يقدم صورة كفاءة مغربية بنت مكانتها داخل الجامعة والإدارة قبل انتقالها إلى السلطة الترابية.

لا تمنحه خلفيته الأكاديمية نجاحا مضمونا، لكنها تزوده بأدوات يحتاجها الإقليم، الدقة، والإنصات، وقراءة المعطيات، وتدبير التوازن بين أطراف تختلف مصالحها وإيقاعاتها.

وبدأت بعض مظاهر التنمية المحلية في الإقليم تظهر عبر ربط 25 دوارا بالماء الصالح للشرب لفائدة 2500 أسرة، ومواكبة 2400 شاب عبر منصة الإدماج المهني خلال 2025.

بالنسبة إلى عامل الإقليم، تمثل هذه الأرقام وجها آخر لطنجة المتوسط. فنجاح المشروع لا يكتمل بارتفاع حركة الحاويات أو تدفق الاستثمارات وحدهما، بل بقدرة محيطه القروي على الاستفادة من فرصه وتحمل الضغوط التي يخلقها توسعه.

بعد أشهر قليلة من تعيينه، لا تسمح المدة بإصدار حكم نهائي على حصيلة خلفاوي. لكن اختياره لهذا الإقليم يحمل دلالة واضحة، إذ وضعت الدولة مسؤولا قادما من مؤسسات المعرفة في مجال يحتاج إلى إدارة دقيقة للعلاقة بين الاستثمار والإنسان.

وفي الفحص أنجرة، لن تقاس كفاءة خلفاوي بعدد الاجتماعات التي يعقدها أو الملفات التي تصل إلى مكتبه فقط. ستقاس بما يتغير خارج مقر العمالة، داخل الجماعات والدواوير، وفي حياة السكان القريبين من واحد من أكبر المشاريع الاقتصادية في البلاد.

يقف خلفاوي اليوم بين عالمين. خلفه مسار طويل في الجامعة والبحث العلمي. وأمامه إقليم تتحرك فيه مصالح اقتصادية عابرة للقارات، بينما ينتظر سكانه نصيبهم من التنمية.

وهناك تتحدد مهمته، رجل جاء من الجامعة ليجعل لغة المشاريع الكبرى مفهومة على الأرض، في طريق تصل إلى دوار، وماء يدخل إلى بيت، وتكوين يفتح أمام شاب باب المصنع الذي يراه كل يوم.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.