لم تخلف التساقطات المطرية التي شهدتها المدن الشمالية فيضانات كما اعتادت على ذلك خلال السنوات الأخيرة، نظرا لهطولها بنسب معتدلة وفي فترات متفرقة، غير أنها تحولت إلى عامل كشف هشاشة بنايات قديمة ظلت تقاوم الزمن بصعوبة داخل عدد من الأحياء العتيقة، وتسببت في انهيارات متتالية شملت طرقا وعددا من المنازل، وخلفت وفاة شخص واحد وإصابة آخرين بجروح متفاوتة، إضافة إلى أضرار جسيمة في الممتلكات.
وسجلت بطنجة حادثتان خطيرتان جراء التساقطات المطرية الأخيرة، الأولى بحي كورزيانة، حيث انهار منزل قديم بفعل الأمطار، مخلفا ثلاثة ضحايا، بينهم صاحب المنزل وطفل كان يمر صدفة قرب موقع الحادث، إضافة إلى شخص آخر جرى نقله على وجه السرعة إلى المستشفى الجامعي محمد السادس، إلا أنه فارق الحياة متأثرا بالإصابات البليغة التي تعرض لها، فيما أسفر حادث مماثل وقع ليلا بحي بني يدر بالمدينة العتيقة، جراء انهار منزل قديم فوق رأس سيدتين كانتا بداخله، ما أدى إلى إصابتهما بجروح متفاوتة الخطورة، استدعت نقلهما على وجه الاستعجال إلى المستشفى الإقليمي لتلقي العلاجات الضرورية، فيما خلف الانهيار دويا قويا أيقظ سكان الحي وأثار حالة من الهلع في صفوفهم.
وفي المدينة العتيقة بالعرائش، كشفت الأمطار الغزيرة التي شهدتها المنطقة خلال الأيام الأخيرة هشاشة النسيج العمراني، بعدما تسببت في انهيار أربعة مبانٍ غير مأهولة، مصنف بعضها ضمن لائحة البنايات الآيلة للسقوط، كان آخرها يوم السبت الماضي، إذ رغم أن هذه الانهيارات لم تسفر عن خسائر بشرية، فإنها خلفت حالة من الذعر والهلع في صفوف السكان المجاورين، خاصة عقب حادث انهار سقف منزل مأهول على سيدة كانت بصدد إعداد وجبة الغذاء داخل بيتها، التي نجت من موت محقق بعدما جرى نقلها على وجه السرعة إلى المستشفى الإقليمي لالة مريم لتلقي الإسعافات اللازمة.
أما مدينة القصر الكبير، فشهدت الأحياء العتيقة بدورها انهيار ثلاث بنايات دون أن تخلف خسائر بشرية، شملت أحياء الديوان، وباب الواد، ودرب الزاوية التيجاني، إضافة إلى حي الشريعة، وهي أحياء عتيقة تعاني وضعية عمرانية مقلقة تعمق منسوب القلق في صفوف السكان، لاسيما في فصل الشتاء والأيام الممطرة، إذ يصفوها سكان المدينة بـ”القنابل الموقوتة”.
وخلفت هذه الحوادث موجة من الغضب والاستياء في صفوف سكان هذه المدن، إلى جانب عدد من فعاليات المجتمع المدني، الذين عبروا عن قلقهم من تكرار سيناريوهات مماثلة داخل أزقة الأحياء العتيقة.
وحمل هؤلاء السلطات المحلية والإقليمية المكلفة بتدبير ملف المباني الآيلة للسقوط مسؤولية ما وقع، معتبرين أن غياب تدخلات استباقية وجدية ساهم في استمرار خطر يتهدد سلامة المواطنين بشكل يومي، خاصة في مناطق تعرف كثافة سكانية وحركية دائمة، ما يجعل أي انهيار محتمل تهديدا حقيقيا للأرواح.
وفي تفاعل مع هذه الحوادث، حذرت فعاليات حقوقية وسياسية بجهة طنجة–تطوان–الحسيمة من تفاقم وضعية المباني الآيلة للسقوط بعدد من المدن الشمالية، خاصة داخل الأحياء العتيقة، معتبرة أن ما وقع يعكس استمرار بؤر سكنية مهددة بالانهيار في غياب تدخلات استعجالية، وأكدت في بلاغات ومراسلات وجهتها إلى مسؤولين حكوميين وترابيين، أنها قامت بمعاينات ميدانية رصدت من خلالها مناطق مصنفة خطرة، وطالبة بالإسراع في اتخاذ تدابير عملية لحماية أرواح السكان، وتفعيل المقتضيات القانونية المنظمة لملف المباني المهددة بالانهيار، وفي مقدمتها القانون 12/94، إلى جانب تفعيل دور الوكالة الوطنية للتجديد الحضري، إلا أنها، تقول الفعاليات، لم تحرك ساكنا لإنقاذ إرث تاريخي وذاكرة عمرانية جماعية، واعتماد برامج استعجالية وشمولية تضمن الحق في السكن اللائق وتصون سلامة المواطنين.