طنجة : “أحمد عصيد” يختتم ندوات مهرجان “ثويزا 19 ” بندوة فكرية حول “الإنسان هو الحل ! ”

البوغاز نيوز : اختتم امس الأحد مهرجان “ثويزا”في دورته التاسعة عشرة بمدينة طنجة فعاليته بندوة فكرية حملت عنوان: “الإنسان هو الحل !”، ضمن سياق شعار شامل تبناه المنظمون هذه النسخة: “نحو الغد الذي يُسمى الإنسان”.

ولم يكن الشعار ترفا لغويا، حسب المنظمون بل نداء يعكس قلقا وجوديا متزايدا من مصير الكائن البشري في عصر الحروب العبثية، والعدميات الرقمية، والانهيارات الأخلاقية.

ولأجل ذلك، التقى ثلاثة مفكرين من المغرب وتونس؛ فيلسوف، سوسيولوجي، ومؤرخ، ليضعوا الإنسان أمام مرآته. وقد حاورهم الكاتب أحمد عصيد، حيث استهل الفيلسوف محمد المصباحي مداخلته بالتأكيد على أن اختيار شعار الندوة لم يكن عشوائيا، بل نابع من شعور المنظمين بخطورة التهديدات التي تترصد بالإنسان في العصر الحديث.

وأشار إلى أن الإنسانية وصلت إلى ذروتها مع إعلان ميثاق حقوق الإنسان، لكنها عادت لتتراجع مع الألفية الجديدة، في ظل حروب عبثية كحرب أوكرانيا.

واعتبر المصباحي أن هناك مؤثرات عميقة تهدد “إنسانية الإنسان”، وتدفعنا إلى الحديث عما بعد الإنسان، في مواجهة عدميات خطيرة؛ عدمية أصولية: تعيد إنتاج الماضي والنزعات المغلقة، وعدمية رقمية: تحول الإنسان إلى لعبة في يد الشركات الكبرى، ودعا إلى “التنوير الرقمي” كأداة لمقاومة استلاب الشباب من قبل خوارزميات الشبكات الرقمية، مشددا على أن الإنسان لا يزال قادرا على التجاوز والإبداع، وخاصة الإنسان المغربي الذي يعيش في بلد التوازنات، وفق تعبيره.

وفي السياق ذاته، عبر عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب عن حيرته من شعار الندوة، معتبرا أن الحديث عن الإنسان اليوم هو شكل من أشكال الهروب، لأن لكل مرحلة إنسانها الخاص، وأضاف: “كنت أحب الإنسانية… أما الآن فقد أصبحت أكره الإنسان”، في إحالة إلى تناقضات العالم المعاصر.

وأعرب عن صدمته من مشاهد أشلاء أهل غزة، ومن الذين يصرون على مواصلة الحرب، متسائلا: “من هو الإنسان؟ وما هي الإنسانية؟”.

ورأى أن هذه المرحلة تتسم بظهور “إنسان بلا إنسانية”، داعيا إلى مساءلة البديهيات الفكرية التي نؤمن بها، لأنها في كثير من الأحيان خاطئة.

وسلط الضوء على التحيز الغربي التاريخي في تعريف الإنسانية، مستشهدا بفلاسفة مثل هيغل وكانط، الذين رسخوا لفوقية أوروبا، ووصفوا باقي الشعوب، خاصة الآسيوية والإفريقية، بالدونية والوحشية.

ومن جهته، طرح المؤرخ محمد جبرون تساؤلات حول مدى واقعية الشعار، متسائلا: “هل الإنسان فعلا هو الحل، أم أنه أصل المشكلة؟” مبرزا أن التاريخ مليء بالحروب والنزاعات التي كان الإنسان سببا مباشرا فيها.

وأشار جبرون إلى أن شعارات حقوق الإنسان لم تعد تشمل “كل” الإنسان، بل أصبحت موجهة إلى فئات محددة، مشددا على ضرورة العودة إلى قوة الأخلاق كحل جذري.

كما عبر عن استغرابه من مواقف بعض المثقفين الذين يبررون الجرائم المرتكبة في فلسطين، معتبرا ذلك انعكاسا لأزمة إنسانية عميقة.

ودعا إلى إعادة الاعتبار إلى الجنوب كأحد سبل الخلاص الأخلاقي والإنساني، محذرا من “التخدير الرقمي” الذي يعيشه العالم اليوم، ومؤكدا على ضرورة التمرد على هذا الواقع المعطوب.

ووسط هذه التجاذبات اختتمت الندوة بمداخلات حملت أسئلة أكثر تعقيدا حول الإنسان ودوره في عصر الأزمات المتشابكة، مؤكدة على استمرار الجدل حول ما إذا كان الإنسان هو الحل أم جزء من المشكلة، ومدى تأثير التحولات الرقمية والأخلاقية على هذا الدور في المستقبل القريب.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.